بسبب الاستهتار وغياب الثقافة المرورية.. الدماء تلطخ وجه الأسفلت

Posted by

عمان – شمس الدين الحماد وديما الدقس.

حادث العقبة 2023-أرشيف

لا يكاد يخلو بيت من فقد عزيز أو قريب في حادثة سير، وتشكل حوادث السير صدمةً حال وقوعها، فقد انقلب حال أسرة الخمسيني أحمد شاكر من فرح إلى حزن، بعدما أصيب ابنه عمر ذو الستة عشر عاما، بحادث سير، تسبب بكسور في قدمه اليسرى ورضوض، أمام الشارع الرئيسي المقابل لأحد المخابز في منطقة الجبيهة شمالي العاصمة عمّان، من قبل سائق مركبة خصوصي كانت تسير بسرعة عالية، بحسب شاكر.

ويضيف شاكر، “لم يتوقف الأمر عند حادث الدعس فحسب، بل إن التعديل الذي أجري عام 2017 على قانون أصول المحاكمات الجزائية لا يسعف المدعي العام بتوقيف المتسبب بالحادث بعد تحديد المادة 114/3/أ من قانون أصول المحاكمات الجزائية حالتين لتوقيف المتسبب في الحادث: إذا كان السائق غير مرخص، أو كان يقود مركبته تحت تأثير المشروبات الكحولية أو المخدرات أو المؤثرات العقلية”.

ويقول الخبير القانوني زيد أبو رمان:” تنص المادة 114/3/أ من قانون أصول المحاكمات الجزائية على :”تسري أحكام التوقيف والتمديد من هذه المادة على المشتكى عليه المسندة إليه إحدى الجنح المعاقب عليها قانونا بالحبس مدة لا تزيد على سنتين في الحالتين الآتيتن: أ- إذا كان الفعل المسند إليه من جنح السرقة أو الإيذاء المقصود أو الإيذاء غير المقصود الناجم عن حوادث السير إذا كان الفاعل مخالفا لأحكام قانون السير النافذ، من حيث القيادة دون رخصة أو القيادة تحت تأثير المشروبات الكحولية أو المخدرات أو المؤثرات العقلية”.

ويؤكد أبو رمان على أن القانون لم يعد يسعف المدعي العام كالسابق في مثل هذا النوع من القضايا، ففي السابق كان يُوقف المتسبب بالحادث، لكن وبعد التعديل المعمول به منذ عام 2017 لم يعد التوقيف في جميع حالات حوادث الدعس، إنما ما يشير إليه القانون وحدده بنصوصه فقط، ويضيف :”خطأ صغير قد يكلّفنا حياة بأكملها، فضلاً عن الخسائر المادّية، والحلّ قد يكون في خطوات بسيطة لكنّها فاعلة وهامّة للغاية للحدّ من حوادث السير التي تحدث خسائر كلّ يوم بل كلّ ساعة”.

وأشار أبو رمان إلى أن الحوادث المرورية ورفع مستوى السلامة المرورية تعد من أكبر التحديات التي تواجه كل دول العالم بما فيها المملكة الأردنية الهاشمية، إذ تشكل عبئاً يثقل كاهل المجتمع لما ينتج عنها من استنزاف للموارد البشرية والمادية، كما تشير الإحصاءات الصادرة عن منظمة الصحة العالمية في التقرير العالمي عن حالة السلامة على الطرق الصادر في عام 2021 والذي تطرق لنتائج الحوادث عالمياً لعام 2019 إلى أن حوادث السير تحصد أرواح ما يزيد عن 1,35 مليون إنسان سنويا، بالإضافة إلى ما يزيد عن (50) مليون مصاب يعانون من إصابات غيرت حياتهم أو كان لها آثار طويلة الأمد عليهم، إضافة للآثار النفسية والمعنوية للمصابين وذويهم نتيجة هذه الحوادث.

تصنيف درجة خطورة حوادث السير في المملكة

الباحث في المعهد الوطني للسلامة والصحة المهنية (NIOSH) مصعب الرواجفة وصف حوادث السير في الاردن بأنها نزفٌ مستمر، وقال :”في عام 2022، سُجل في الأردن قرابة 170 ألف حادث سير نتج عنها 562 وفاة ونحو 17 ألف إصابة، بحسب بيانات مديرية الأمن العام، التي أحيت قبل أسابيع قليلة يوم المرور العالمي وأسبوع المرور العربي”.

وتابع الرواجفة :”وبعد مآسي شهر أيار المؤلم، وبالرغم من الجهود التوعوية والرقابية التي أفضت إلى انخفاض الحوادث بنسبة 14% خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام 2023، وبشأن مسبباتها، جاء على رأس القائمة بحسب إدارة السير “السرعة الزائدة” إلا أنه كانت هناك 26 حالة وفاة بأول 10 أيام فقط من شهر أيار”.

وأشار الرواجفة إلى أن المجلس الأعلى للسكان يستخلص في دراساته أن الموت على الطرق ثالث مسبّب للوفيات في الأردن بعد أمراض الدورة الدموية والسرطان، ويرجع نصف الحوادث تقريبا إلى مخالفة المسارب والأولويات والتتابع القريب.

أهم الأسباب التي تؤدي الى حوادث السير2023

أما على الصعيد العالمي، قال الرواجفة إن حوادث السير تفتك سنوياً بمليون و350 ألف شخص عالمياً، وتسبب 50 مليون إصابة جراء الحوادث، وتتوقع دراسة للأمم المتحدة أن تودي الحوادث بحياة 13 مليون إنسان وتسبب 500 مليون إصابة حول العالم بحلول 2030 إذا لم تتخذ الدول إجراءات فعالّة.

وتجد الثلاثينية خديجة أن للظروف السياسية والاقتصادية المحيطة بنا الأثر الأكبر، وتقول إن الأردن شهد زيادة مضطردة في أعداد السكان والمركبات مما نتج عنه تبايناً في معدل حوادث السير على الرغم من الإجراءات الوقائية والعلاجية.

وبحسب التقرير السنوي للحوادث المرورية لعام (2019) فقد وقع (161511) حادثاً مرورياً؛ منها (10857) حادثاً نتج عنها إصابات بشرية، أدت إلى خسارة (643) إنسان وإصابة (792) شخص بإصابات بليغة و(6062) شخص بإصابات متوسطة و(10159) شخص بإصابات بسيطة وبكلفة مالية تقدر بـ (324) مليون دينار أردني، في حين بلغ عدد سكان المملكة (10,554) مليــون نسمة، وعدد المركبات المسجلة (1677061) مركبة، بالإضافة إلى دخول (730,665) مركبة أجنبية إلى أراضي المملكة خلال ذلك العام.

“فن وذوق وأخلاق”

“إن عدم ترك مسافة آمنة، و”أولوية المرور”، وتردي بعض الطرق، يفاقم مآسي حوادث السير”، بهذه الكلمات عبر الرائد في إدارة السير ناصر الشوبكي عن واقع حوادث الطرق في الأردن، وقال إن الاستهتار وعدم الالتزام بالقواعد يكلف فاتورة باهظة الثمن لحوادث الطرق، إذ يدفع الأردن فاتورة باهظة على حوادث الطرق بمعدل وفيات سنوية تقارب 700 شخص، وحوادث مرورية تناهز 150 ألف حادثة وكلفة تقارب 450 مليون دولار بلا حلول جذرية”.

وأضاف الشوبكي :”كما أن ثمة أزمة أخلاقية تتمثل في عدم الالتزام بالقواعد المرورية وتجاوز للسرعة المقررة واستخدام الهاتف أثناء القيادة، وهو ما يحيلها إلى رحلات ذهاب بلا عودة، فالقيادة؛ فن وذوق وأخلاق”.

“ثقافة التملك والاستهلاك”

وتابع الشوبكي :”ويصنف الأردنيون ضمن أكثر الشعوب امتلاكاً للمركبات الخاصة لشيوع ثقافة التملك والاستهلاك من جهة، إضافة إلى عدم وجود نظام نقل أو مواصلات عام يلبي كافة احتياجات المواطن، ويعد الاختناق المروري اليومي في العاصمة عمّان من بين أبرز أسباب حوادث السير، إذ تدخل عمّان يومياً 160 ألف سيارة في ساعات الذروة الصباحية والمسائية من تسعة مداخل ومن المدن الأخرى، فضلاً عن مليون سيارة موجودة فيها أصلاً”.

مدير إدارة السير المركزية فراس الدويري صرح في وقتٍ سابق* بأن مديريته تتعامل مع ستة ملايين حركة مرورية يومياً في العاصمة بسبب زيادة كبيرة جداً في عدد السيارات سنوياً بواقع 80 ألف سيارة، في حين بلغ عدد المركبات الكلي 2 مليون سيارة وناهز عدد السائقين الـ 3 ملايين شخص.

وفي عام 1986 كان لكل 12 مواطناً مركبة واحدة، أما في عام 2021 فأصبح لكل خمسة مواطنين مركبة، مع بقاء البنية التحتية على ما هي عليه طوال هذه السنوات، وفقاً لتصريحات الدويري.

أسباب حوادث السير لعام 2021 في المملكة

غياب الثقافة المرورية

الثلاثينية سارا إبراهيم تجد أن الثقافة المرورية أكبر الغائبين، إذ أن الأزمات المرورية في معظمها أزمة أخلاق وانضباط مروري، وهو ما يتجلى بشكل واضح في سلوكيات متهورة وخطرة على الطرقات.

وتشير “جمعية السلامة المرورية” إلى وجود خلل كبير في المنظومة المرورية، واعتبرت أن ظاهرة استخدام الهاتف المحمول أثناء القيادة باتت أقرب ما تكون إلى الإدمان، لا سيما من قبل السيدات، فضلاً عن مخالفات أخرى مثل التجاوز الخاطئ والمستهتر والقيادة بسرعة جنونية.

ومع وجود نحو مليوني مركبة في الأردن، باتت الأساليب التقليدية غير قادرة على ضبط الازدحام والفوضى التي تعانيها شوارع العاصمة يومياً، وبدت آليات الرقابة المرورية الذكية أكثر قدرة ومرونة ومن بينها استخدام طائرات “الدرونز”.

بلغة الأرقام وبحثاً عن حلول، قال وزير النقل السابق وجيه عزايزة في وقتٍ سابق* إن زيادة حافلات النقل العام من شأنها تقليص عدد السيارات بواقع 150 ألف سيارة خاصة، كما أن تحديد ساعات العمل بين الثامنة صباحاً والخامسة مساءًا قد يسهم في تقليل عدد الحوادث، فثمة حادثة مرورية تقع كل خمس دقائق تقريباً في الأردن، وحادثة دعس تقع كل ساعتين، ويصاب شخص كل 35 دقيقة، في حين تتسبب الحادثة المرورية بوفاة واحدة كل 19 ساعة، فيما 60 في المئة من حوادث السير سببها استخدام الهاتف المحمول.

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *