المقترضات من شركات التمويل ، تواطؤ مشترك يلقي بهن في السجن

Posted by

 

محمد الزبون

تحت وطأة مطالبات مالك المنزل المتكررة بتسديد الإيجارات المستحقة منذ ستة أشهر ، شعرت تهاني بأن ساعة طردها وشقيقتها من الشقة التي استأجراها سوياً في أحد الأحياء الشعبية في العاصمة عمان قد اقتربت، وما زاد الوضع صعوبة أنها لم تعد تجد عملاً يؤمن لها لقمة عيش تكفيها ويوفّر بعضاً من أدوية شقيقتها وشريكتها في السكن ذات الأربعة والخمسين عاماً، فلجأت بعد أن أخذت بنصح صديقتها إلى تقديم طلب الحصول على قرض من إحدى شركات التمويل، متذرعة برغبتها في عمل مشروع انتاجي يعود عليها بدخل يكفي حاجتها تماشياً مع متطلبات منح القرض الشكلية ، في حين أن هدفها المباشر كان دفع ما ترتب من ايجار البيت وتأمين بعض الإحتياجات ، تاركةً همّ سداد القرض إلى وقته.
لم تكن إجراءات منح القرض معقدة ، كل ما في الأمر أشترطت شركة التمويل أن تُحضر تهاني أحداً يشاركها في القرض بحيث يكون شريكاً وكفيلاً في نفس الوقت ، وهو ما كان في شقيقتها المريضة، فوقّعتا على عقد إلتزام بالتسديد لم يقرأ بنوده ، وكمبيالة بقيمة المبلغ المطلوب مع فوائده ، وتسلمت مبلغ القرض وجدول السداد.
من هنا بدأت المعاناة تكبر ، فمع تسديد جزء من الايجارات المستحقة ، وشراء بعض الاحتياجات، لم تستطع تهاني وأختها تسديد أقساط شركة التمويل، وأصبحتا مطلوبتين على ذمة هذا القرض، ما فرض عليهما التزام البيت  وقلة التنقل خوفاً من أن يُلقى القبض عليهن . إلى أن حصلا على وعد من صندوق الزكاة لدفع ما استحق عليهن لشركة التمويل ليضمهما إلى من شملهم بمبادرته للإفراج عن المحكومات والموقوفات والمطلوبات لحساب قضايا تخلف عن سداد قروض شركات التمويل.
تهاني وشقيقتها واحدة من حالات كثيرة متشابهة في لجوءها إلى شركات وصناديق الإقراض الخاصة بالمرأة والمشاريع الصغيرة ، بقصد توفير سيولة مادية يغطين بها إلتزامات أخرى ، متذرعات بنية تأسيس مشاريع انتاجية، هي في الأصل وهمية لا وجود لها ، ومن ثم انتهى بهن الحال إما مطلوبات أو سجينات على ذمم هذه القروض ، وتدخلت مبادرات اجتماعية ووطنية كصندوق الزكاة بتسديد ما أستحق عليهن والإفراج عنهن ، لكن دون التطرق لحلول تنهي السبب الرئيسي لدخولهن السجن.

والتالي تقرير تلفزيوني يسلط الضوء على ظروف وحيثيات إقتراض النساء من شركات التمويل الأصغر

نقم شعبي
في العامين الأخيرين زاد الحديث عن تغول شركات وصناديق تمويل المشاريع الصغرى على المقترضين، وزادت أعداد الموقوفين في مراكز الأصلاح والتأهيل وخاصة النساء على ذمة القروض التي إحتصلوا عليها من هذه الشركات ، ونتيجة ذلك انطلقت مبادرات وطنية لدفع المبالغ المستحقة على هذه السيدات للصناديق والإسهام في الإفراج عنهن.
وتبنت هذه الشركات شعارات تتعلق بممارسة الدور الريادي في تطوير وتقدم الإقتصاد الوطني من خلال دعم الأفراد لا سيما النساء ، من خلال تقديم قروض تساعدهم في تأسيس وتطوير مشاريع ذات جدوى تعود عليهم بالربح والإكتفاء وعلى المجتمع بالفائدة .

من هي الشركات غير الربحية

صناديق تمويل المشاريع الصغرى هي شركات مسجلة في وزارة الصناعة والتجارة لدى مراقب الشركات تحت مسمى شركات التمويل ، وتُعنى بمنح القروض ذات القيم الصغيرة للأفراد، وتمارس عملها عبر فروع متعددة في مختلف مناطق المملكة ، ولم تكن تخضع لأي جهة تنظيمية رقابية تمنح التراخيص لغاية إقرار نظام شركات التمويل الأصغر رقم (5) لعام 2015 في الأول من حزيران من نفس العام، وبموجبه تم إعطاء مدة عامين للشركات القائمة لغايات تصويب أوضاعها، حتى تدخل رسمياً تحت مظلة البنك المركزي كجهة رقابية معنية بشؤون القطاع التجارية والمالية .
وهذه الشركات عرفها نظام شركات التمويل الأصغر بالتي تمارس نشاط التمویل الاصغر المرخصة وفقا لاحكام النظام.
ونشاط التمویل الأصغر: هو تقدیم التمویل والأنشطة المالیة للأشخاص ذوي الدخل المتدني و للأشخاص الذین لا یتمكنون من الحصول على الخدمات المالیة من القطاع المصرفي كلیا او جزئیا سواء كانوا افرادا او شركات متناھیة الصغر او صغیرة وفق معاییر یحددھا البنك.
وبموجب النظام لا یجوز لاي شخص غیر مرخص ان یستعمل بأي صورة كانت عبارة (التمویل الاصغر) او مرادفاتها سواء باللغة العربیة او بأي لغة اجنبیة) او ان یستعمل في أوراقه ووثائقه ودعایاته اي لفظ او اي عبارة لها علاقة بممارسة نشاط التمویل الاصغر او تحمل دلالة علیه، الا اذا دل السیاق على ان الاستعمال لا یتعلق بنشاط التمویل الاصغر.

الوضع القائم
ويشير التقرير الربعي الأول لعام 2017 الصادر عن شركة تنمية للتمويل الأصغر – إتحاد ثمان شركات للتمويل الأصغر – إلى إرتفاع عدد الأفراد المقترضين (84% منهم نساء) في عام 2016 إلى 361300 شخص بزيادة حوالي 30000 مقترض عن العام الذي سبقه، في حين أن قيمة إجمالي القروض الممنوحة خلال عام 2016 بلغت 185976258 مليون دينار وبزيادة حوالي 34 مليون دينار عن إجمالي القروض الممنوحة خلال عام 2015.
وفي توزيع حجم نمو القروض المقدمة من شركات التمويل الأصغر على المحافظات ، يظهر التقرير نموّاً ملحوظاً في محافظة معان مقارنة بباقي المحافظات بإجمالي محفظة القروض وبأعداد المقترضين النشطين بنسبة وصلت 48% و 31% على التوالي ، فيما كانت النسبة في العقبة هي الأدنى بواقع 10% و 5% على التوالي.

وتالياً رسم بياني يوضح عدد القروض والمقترضين من شركات التمويل الأصغر في الربع الأول من 2012-2017

وتبين الخارطة التالية نسبة نمو إجمالي محفظة قروض شركات التمويل الأصغر في المحافظات للربع الأول من عام 2017

والخارطة التالية توضح نسبة نمو المقترضين النشطين من شركات التمويل الأصغر للربع الأول من عام 2017

ويذكر مدير شركة تنمية سليم النمّري أن شركات التمويل تضطلع بدور ريادي في تطوير وتقدم الإقتصاد الوطني من خلال دعم الأفراد في سبيل إنشاء مشاريع إنتاجية تعود عليهم وعلى مجتمعهم بالفائدة، مشيراً إلى أن سبب إرتفاع أعداد السيدات المقترضات مرده إلى طبيعة المرأة الأردنية في كونها قادرة على إدارة المشاريع التي لا تحتاج إلى رأس مال كبير.

الرسمان التاليان يوضحان نسبة المقترضين من شركات تمويل المشاريع الصغيرة حسب الجنس ومعدل أعمارهم عام 2016

وكان البنك المركزي قد نبّه شركات التمويل في تقرير الاستقرار المالي لعام 2015 إلى مخاطر إقراض قطاع الأفراد بسبب الإرتفاع الملحوظ في حجم مديونية الأفراد بشكل يفوق النمو في دخلهم ، وأشار التقرير إلى أن نسبة مديونية الأفراد إلى دخلهم وصافي ثرواتهم بلغت في عام 2015 حوالي 69% ، بارتفاع ملحوظ عما كانتا عليه بـ 54% في عام 2010.

ويوضح الرسم التالي مديونية الأفراد لشركات التمويل الأصغر بالمليون دينار من 2012 إلى 2015

ويبين الرسم البياني التالي معدل المبالغ المقترضة نسبة إلى عدد القروض بالدينار الأردني لعام 2016

ويشير المدير التنفيذي لجمعية معهد تضامن منير ادعيبس إلى أن شروط منح النساء قروض صغيرة من مؤسسات التمويل الأصغر لا تسير وفق التشدد في طلب الضمانات الموجودة في شروط منح القروض الشخصية من قبل البنوك التجارية ، التي تشترط وجود راتب شهري أو دخل ثابت، وفي كثير من الحالات يتم رهن أموال غير منقولة ضماناً للقرض، وطلب كفلاء مليئين، وتقديم كشف حساب بنكي وغيرها الكثير، كما لا يمكن بأي حال من الأحوال تجاوز قيمة القسط الشهري 40% من دخل المقترض أو المقترضة.
ويلفت ادعيبس النظر إلى أن غالبية النساء المقترضات من صناديق التمويل لا يعملن أو ليس لديهن دخل آخر، وضمانات الإقراض إن طلبت منهن تكون في إطار متساهل، مما يجعل من إدارة مخاطر إقراض النساء في أدنى صورها، ويعرضهن بشكل مباشر الى مواجهة عدم القدرة على السداد مما يضطرهن الى جدولة قروضهن أو يعرضهن للملاحقة القانونية.

 

مشروع ميت قبل أن يولد

انكسر عليّ إيجار البيت وماعرفتش مين بده يدايني ، هالايام في حد بداين ؟ فاضطريت أروح أسحب قرض ” بهذه الكلمات تتحدث عُلا عن الأسباب التي دعتها للحصول على قرض من شركات التمويل الأصغر، وكما في قصة تهاني كان الهدف تسديد إلتزام إيجارات البيت المستحقة وليس تأسيس مشروع إنتاجي.

وتذكر أم سعيد أنها تقدمت بطلبات للحصول على 3 قروض من شركات تمويل مختلفة، وجاءت الموافقة على إقراضها برغم أنها لا تملك آي مشروع ، برغم زيارة مندوبي هذه الصناديق الميدانية لمنزلها ، وعدم رؤيتهم ما يثبت أنها بصدد عمل مشروع لإنتاج المخللات كما أعلمتهم في طلبها، وبأن أهم ما طلبوه هو وجود كفيل تشترك معه في القرض.

وتطلق صناديق التمويل برامج تمويلية تحت مسميات دعم وتعزيز انتاجية أفراد المجتمع من الطبقة الفقيرة ومتوسطة الدخل لا سيما النساء ، من خلال تقديم قروض تساعدهم في تأسيس وتطوير مشاريع ذات جدوى تعود عليهم بالربح والإكتفاء، ولكن الروايات الحيّة لعدد كبير من المقترضات تؤكد أنه لم يتم الطلب منهن تقديم دراسات جدوى عن المشاريع التي يسعين لتأسيسها أو الخطة التسويقية لمنتجاتهن المستقبلية، ولا حتى قيام مندوبي هذه الشركات بزيارات تقييمية لمراحل سير هذه المشاريع.
” هناك نوع من التواطؤ بين المقترض والدائن ، بحيث تتوفر لدى الأخير المعرفة الأكيدة بأن المشروع غير قائم أو أنه وهمي، ومع ذلك يعمل على إقراض طالب القرض ” هذه كلمات المحامية أنعام العشا رئيسة معهد جمعية تضامن النساء الأردني ، مشيرة إلى أن هدف شركات التمويل من الإقراض هو تحقيق العائد من القرض واسترداد المبالغ المقرضة مع الوقت ، وبأن هم المدين هو الحصول على المال بأي شكل ، حتى وإن كان في شكل مشروع وهمي .
وتذكر عُلا إحدى المفرج عنهن من مركز إصلاح وتأهيل النساء بعد توقيفها على ذمة قرض استدانته من إحدى شركات التمويل أن همّ هذه الشركات هو كسب النقود وأكبر دليل هو عدم وجود مشروع إنتاجي من الأساس.
ويوضح صندوق المرأة الذي يصف نفسه على موقعه الإلكتروني : بأنه ” شركة التمويل الأصغر الوحيدة في الاردن التي تستهدف المرأة بشكل أساسي “، ويذكر من خلال مدير الفروع عصام الهندي أن إجراءات المنح لديهم لا تتم بعشوائية ، بل تمر من خلال سلسلة إجراءات ، تبدأ بتدقيق المعلومات وتمر بزيارة منزل طالب القرض ومن ثم العرض على لجنة خاصة بالموافقة أو الرفض.

 

كفيلٌ على المُر
أول سؤال تتعرض له المرأة التي تريد الحصول على قرض هو هل تملكين من يكفلك؟ ، فإن كانت الإجابة نعم تبدو الاجراءات سلسة وغير معقدة، لكون الكفيل هو الضمان الأساسي للتسديد في ظل غياب الراتب الشهري أو الدخل الثابت ، ومن غير وجود الكفيل لا يُمنح القرض.
تقول تهاني : ” اشترطوا لكي يمنحوني القرض أن أُحضر كفيلة من العائلة، فأحضرت أختي، وعندما تخلفت عن سداد أقساط القرض ،صدر التعميم لإلقاء القبض بحقي وحقها ، وأصبح كلانا مهدد بالحبس“.
وشكل الكفالة لدى شركات التمويل مختلف عن ما هو متعارف عليه، فالكفالة وفق عقود الإقتراض التي توقّعها المقترضات من هذه الشركات تقضي بأن الكفيل هو شريك في القرض ومتضامن في السداد و مسؤول عن التبعات القانونية ، فإن تخلف المقترض عن تسديد القسط المستحق تتخذ الشركة من خلال ممثليها القانونيين اجراءات تسجيل القضايا لدى المحاكم بحق المقترض والكفيل ، لكونهما موقعين على أنهما شريكين في القرض ، بالإضافة الى أنهما يخضعان لتحرير كمبيالة مالية بقيمة القرض وفوائده تبقى كضمانة إضافية لدى الشركة المقرضة.

 

عقود مخفاة
أوجبت تعليمات التعامل مع العملاء بعدالة وشفافية رقم 56 لعام 2012  على البنك وجهة التمويل قبل توقيع العقد مع العميل، منح العميل مهلة كافية للقيام بمراجعة دقيقة لكافة بنود العقد، وأكدت على وجوب تزويد العميل بنسخة من العقد وأية أوراق وإشعارات تم توقيعها، وان يحصل البنك على توقيع العميل بما يفيد الاستلام، بالإضافة لتزويده بجدول مفصل يبين الأقساط مجزأة (أصل وفائدة وكلف وتواريخ الاستحقاق وفترة السماح (إن وُجدت) ).
وخلافاً لهذه التعليمات تروي عدة مقترضات أنه عند وجودهن في مكاتب الشركات التمويلية لإتمام معاملات قروضهن، طُلب منهن التوقيع في الأماكن المخصصة لهن على النسخ الورقية من العقود ، من دون أن يقرأن مضمونها ، حتى وإن كن كما يروين أكثر إهتماما باستلام المبالغ النقدية من معرفة ما تحتويه هذه العقود من بنود.
تؤكد المقترضة عُلا3 أنها لم تستلم آية نسخة ورقية من العقد المبرم بينها وشركة التمويل ، وأن ما تم تسليمها إياه من أوراق هو بطاقة تبيّن أنها عميلة للشركة وبموجبها تسدد أقساطها الشهرية ، إضافة الى بطاقة تحمل جدول السداد بحسب المدة، مشيرةً أنها وقعت على أوراق العقد دون مطالعة مضامينها.
ويشير مدير مركز العدل للحوكمة والنزاهة المحامي مروان المعايطة إلى وجود إذعان في العقود التي تبرمها صناديق التمويل مع النساء ، من حيث تحكُّم المقرضين بتحديد بعض الشروط التي لا تعلمها المقترضة بحكم عدم شغفها بقرأة بنود العقد ، من ضمنها مثلاً تحديد الإختصاص المكاني لمحكمة النظر في القضية المرفوعة ضد المتخلفة عن تسديد أقساط القرض.

 

سعر فائدة كبير
ينافي سعر الفائدة المطبق على قروض المشاريع الصغيرة الأهداف المعلنة لشركات التمويل التي تعلن عن سعيها لدعم انتاجية فئات المجتمع من الطبقة الفقيرة والمتوسطة وجعلهم أصحاب أعمال منتجة، فتتفاوت فائدة قروضها لتصل في بعضها وفق بطاقات جداول الأقساط الشهرية للمقترضات إلى 45% من قيمة القرض الإجمالي.
وتذكر عائشة أنها احتصلت على قرض من خلال شركة تمويل بقيمة 500 دينار، وترتب عليها وفق جدول السداد دفع قسط شهري بقيمة 75 دينار لمدة 12 شهرا ، ما يعني أن إجمالي القرض مع الفائدة بلغ 900 دينار، وعلى أن يبدأ دفع الأقساط بعد مرور 30 يوماً من استلام مبلغ القرض من دون وجود فترة سماح.
ويعزو مدير شركة “تنمية” لشركات التمويل الإصغر سليم النمّري ارتفاع سعر الفائدة في قروض مشاريع الإنتاجية الصغرى والمتوسطة إلى أن شركات التمويل تلجأ للإقتراض من البنوك التجارية بفائدة تصل إلى 7% ومن ثم تقوم بمنحها على شكل قروض للأفراد المقترضين منها، ما يعني وفق تعبيره بأن الصفر في قروض هذه الشركات يبلغ 7%.
ويترك البنك المركزي أمر سعر الفائدة في القروض التي تمنحها شركات التمويل إلى العرض والطلب إسوةً بالبنوك التجارية ، ولا يتدخل البنك المركزي لتحديد سعر الفائدة إلا في حالات تعاظمها على نحو يشكل مخالفة تستوجب الإجراء بحسب مدير دائرة الرقابة على شركات التمويل الأصغر في البنك المركزي مها العبداللات.

تعامل سيء
ولا تخشى السيدات عند تأخرهن عن تسديد القسط المستحق من الإجراء القانوني فقط ، بل إن زيارة مندوبي الصناديق إلى أماكن سكنهم تسبب لهم كابوساً أيضاً، نظراً للطريقة الفضة بالتذكير بإنقضاء موعد السداد ، تصل في غالبها إلى الصراخ والتهديد بالسجن والإحراج أمام الجيران وسكان المنطقة.
لا يطلبوا القسط بالحسنى، ويستخدموا اسلوب القمع والتهديد من أجل تحصيل القسط ويصل الأمر إلى الفضيحة في المنطقة، وكذلك التهديد بالحجز على ممتلكات المنزل ، فهذه هي وسائلهم للتحصيل.” هذه عبارات أم سعيد ذات الخمسين عاما ، والتي وفق قولها أصبحت تخجل من النظر في وجوه جيرانها نتيجة ما يسببه لها مندوبي الصناديق من إحراج.
وتذكر أم هشام كفيلة إحدى صديقاتها السابقات أنها أصبحت تستجدي بعض من معارفها من أجل استلاف مبالغ مالية تسد بها الأقساط المتأخرة على مكفولتها المختفية عن الأنظار، خوفاً من تهديد موظفي صناديق الإقراض الدائم لها بالزج في السجن .
ويذكر نائب مدير صندوق المرأة إياد نينو أنه يُطلب من مندوبي الصندوق تحصيل المبالغ المستحقة على العملاء في مناطق إختصاصهم ويتم محاسبتهم في حال التقصير، ما يدفع ببعضهم إلى استخدام أساليب فضة في التعامل ولكن هذه التصرفات تعتبر فردية ولا ترقى إلى درجة الظاهرة ، مشيراً إلى أن بعض العملاء يتهربون من تسديد إلتزاماتهم ويلجأون إلى وسائل خداع وتظليل تربك عمل هولاء الموظفين.

 

نهاية المطاف سجينات
من لا تستطيع توفير مبالغ الأقساط من خلال إقتراض أخر أو مساعدة مالية من ذويها أو لجوء للجمعيات الخيرية أو المحسنين ينتهي بها المطاف بأن يصبح مطلوب إلقاء القبض عليها بحكم قضائي ، وهنا تبدأ معاناة أكبر، تتمثل في قلة حركة من أصبحت بحكم القانون “مطلوبة” ، تحاول فيها التقليل من ركوب وسائل المواصلات العامة أو التجول في الأسواق بحرية، يبدو لها رؤية رجل الشرطة أمراً مقلقاً وكأنه وُجد في هذا المكان من أجل ضبطها وسوقها إلى السجن.
تقول عائشة المطلوبة على حساب قرض لصناديق التمويل :” تعقدت حياتي كاملة ، بطلت أقدر أنزل أو أطلع وما أقدرت ألاقي شغل وأطعمي أولادي لانه صار معمم علي “.
وإن لم تسدد “المطلوبة” الأقساط المترتبة عليها مضافاً إليها رسوم المحكمة وأتعاب محامي الشركة المقرضة ، لن تستمر طليقة مدةً طويلة ، فـ نور التي كانت تعمل في أحد المصانع ممن إقترضن من شركات التمويل وتخلفت لضيق ذات اليد عن السداد، وجدت نفسها في سجن النساء بعد أن تم إلقاء القبض عليها داخل مكان عملها ، بتبليغ من موظفي شركة التمويل المقرضة لها لكون عنوان العمل ضمن بيانات طلب الحصول على القرض.
وتشير الأرقام التي احتصلنا عليها من إدارة مراكز الإصلاح والتأهيل إلى ارتفاع أعداد نزيلات مركز إصلاح وتأهيل النساء الداخلات على ذمة قضايا عدم دفع دين مترتب لشركات التمويل بين عامي 2010 الذي كانت فيه مجموع أعداد النزيلات 143 إمرأة ليصل العدد في عام 2016 إلى 220 إمرأة بنسبة تغيّر 54% تقريباً.
وبتسليط الضوء على المدد التي قضتها هولاء المقترضات داخل السجن قبل أن يفرج عنهن تحديداً في عام 2016، تبين الأرقام أن عدد من يفرج عنهن بمدة توقيف تتراوح بين 1– 30 يوم بلغ 187 امرأة ، بما نسبته 85% من المجموع الكلي للمسجونات على ذمم قروض صناديق التمويل، ومن يفرج عنها بعد 31 – 90 يوم بلغ 35 أمرأة ، وما تبقى وهو 8 نساء قضين مدة تزيد عن 90 يوم في السجن.

والرسم البياني التالي أعداد السجينات حسب مدة مكوثهن في السجن لعام 2016

ويرد أستاذ الحقوق في جامعة مؤته الدكتور محمد الخلايلة سبب ارتفاع نسبة النساء المفرج عنهن في مدة أقل من 30 يوم من مجموع السجينات على ذمم قروض لشركات التمويل الكلي إلى طبيعة المجتمع الأردني وثقافته إتجاه كون المرأة موضع تقدير على نحو يجب معه أن لا تلقى في السجن على ذمم مالية، وفي سبيل ذلك يتداعى ذويها إلى دفع ما استحق عليها حتى وإن كانوا يعانون من وضع مادي سيء، إضافة إلى دور مؤسسات المجتمع المختلفة من خلال المبادرات الهادفة لإخراج المرأة من السجن.

 

مبادرات مجتمعية
تداعت كثرة من المؤسسات المجتمعية إلى تبني مبادرات تهدف إلى الإفراج عن النساء السجينات على حساب قروض المشاريع الصغيرة عبر تسديد المبالغ المستحقة في ذممهن ، ولعل من أبرز هذه المبادرات هو قرار مجلس ادارة صندوق الزكاة من خلال تخصيص نصف مليون دينار لهذه الغاية .
ويذكر عضو الهيئة الإدارية لصندوق الزكاة ورئيس جمعية رعاية ذوي النزلاء محمد غازي أبوصوفة أن إزدياد أعداد النساء السجينات على حساب قضايا التخلف عن سداد الدين لشركات التمويل، دفع بصندوق الزكاة إلى تحمل مسؤوليته الوطنية، مشيراً إلى أنه تم الإفراج عن 7 سجينات والغاء الطلبات القضائية بحق 150 امرأة جراء هذه المبادرة.

 

تعديل قانون التنفيذ
أحال مجلس الوزراء نهاية شهر نيسان الماضي الى مجلس النواب مشروع قانون معدل لقانون التنفيذ، من دون أن يتطرق مشروع التعديل الحكومي إلى وضع حل جذري لموضوع حبس المدين لعجزه عن سداد الدين خاصة مع تزايد أعداد النساء المدينات الموقوفات في مراكز الإصلاح والتأهيل والمطلوبات لدائرة التنفيذ القضائي
والمقصود بالإلغاء في هذا القانون هو نص المادة (22) من قانون التنفيذ لعام 2007 الناصة على حبس المدين لعجزه عن سداد الدين والتي تتعارض مع أحكام العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية الذي صادق عليه الأردن ودخل حيز التنفيذ.
مركز العدل للحوكمة والنزاهة المحامي مروان المعايطة يذكر أن حبس المرأة المدينة لعدم سداد الدين يخالف نص المادة (11) من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية الذي صادق عليه الأردن عام 2006 وهو يسمو في قوته على التشريعات الوطنية وهو الأولى في التطبيق، وهو ما يوجب الموائمة بين التشريعين ، وعليه يمكن استخدام وسائل أخرى تضمن سداد الدين منها مثلاً وضع منع سفر على المدين أو التشدد في إجراءات منح القروض من قبل جهات التمويل.

 

 

مراجعة الأساس
دعوات أُطلقت بأن لا يبقى حل موضوع المقترضات من صناديق الأنتاجية رهن حلول المبادرات، من دون إجراءات رسمية تبسط من خلالها الرقابة على هذا القطاع ، تنفذ من خلالها الاستراتيجية الوطنية لقطاع التمويل الميكروي في الأردن، والتي تم إقرارها من قبل رئاسة الوزراء وكان من ابرز محاورها تطوير إطار تنظيمي ومرجعي موحد للإشراف والرقابة على قطاع التمويل الاصغر.
وأُقر نظام شركات التمويل الأصغر رقم(5) لسنة 2015  من قبل مجلس الوزراء بتاريخ 14/12/2014، ودخل حيز التنفيذ بتاريخ 1/6/2015، ‏ ويتضمن النظام معايير للممارسات المهنية التي تنظم قطاع التمويل الأصغر بالمملكة و حماية عملاء هذا القطاع وتحقيق الاستدامة وضمان توفر الحاكمية المؤسسية السليمة التي تضمن وجود إدارات كفؤة تتمتع بالخبرات اللازمة، وبموجبه استحدثت دائرة الرقابة على شركات التمويل الأصغر وشركات المعلومات الائتمانية ، حيث تتولى الدائرة دراسة طلبات ‏ترخيص شركات التمويل الأصغر إلى جانب مهام الرقابة الميدانية و المكتبية للتحقق من سلامة الاوضاع المالية للقطاع.

والتالي فيديو توضيحي عن نظام شركات التمويل الأصغر رقم (5) لسنة 2015

وقبل إقرار هذا النظام لم تكن هناك سلطة رقابية مباشرة معنية بتنظيم قطاع شركات التمويل الأصغر وكل ما عليها التسجيل فقط في دائرة مراقب الشركات في وزارة الصناعة والتجارة تحت بند شركات التمويل.
وتقول مدير دائرة الرقابة على شركات التمويل الأصغر مها العبداللات أن هذا النظام أعطى لشركات التمويل الأصغر فترة عامين لتصويب أوضاعها بدءاً من 1/6/2015 ، واتاح لها التقدم بطلب فترة سماح أخرى لمدة عام واحد فقط مشروطة بموافقة محافظ البنك المركزي.
وفي ظل وجود شركات ضمان القروض لم يعد أمام شركات التمويل حجة بعدم قدرتهم على معرفة مدى صدق نوايا العملاء المتقدمين للحصول على قروض، من خلال إمكانية الإستعلام عن سجل العملاء في التعامل التمويلي ، خاصة إن إتبعت شركة ضمان القروض معايير إدارة مخاطر عالية ، لأنها في نهاية الأمر ستقوم بدفع 70% من قيمة القرض المضمون غير المسدد.

ويُظهر الرسم البياني التالي أنه لم تصل نسب القروض المضمونة من قبل الشركة الأردنية لضمان القروض في أي محافظة من مجموع القروض الكلي فيها إلى 1 % ، في حين تظهر الخارطة التي تلي الرسم البياني أن نسب قيم القروض المضمونة من إجمالي قيم القروض في كل محافظة يرتفع في بعض المحافظات كالعاصمة عمان لتصل النسبة إلى حوالي 40% ، الأمر الذي يعني بأن شركات التمويل تتجه لضمان القروض ذات القيم االعالية على نحو أكبر من القروض الصغيرة .

وتقول مدير دائرة التمويل الصناعي والخدمات (إجادة) في الشركة الأردنية لضمان القروض أمل جرادات : أن عدداً من شركات التمويل الأصغر وقعت إتفاقيات في العامين الآخيرين مع الشركة الأردنية لضمان القروض ، بهدف تحقيق تأمين قروضها والإستفادة من المعايير المتبعة في التعامل مع طلبات العميل.
ولكن وفق جرادات مازالت أعداد القروض المحالة إليهم لضمانها قليلة نسبة للإرتفاع الحاصل في أعدادها لدى شركات التمويل، إضافة إلى توجه بعض هذه الشركات لتوقيع إتفاقيات ضمان للقروض التي تزيد عن 10500 دينار كما الحال في صندوق المرأة.
وفي سبيل إيجاد حلول جذرية لهذه الظاهرة الإجتماعية دعت قطاعات مختلفة إلى ضرورة التركيز على تدريب النساء مهنياً وبناء قدراتهن قبل منحهن قروض لا يستطعن إدارتها، والبعد عن اللجوء الى الحبس كوسيلة إكراه وضغط في حالة العجز عن الوفاء بالدين، لتكون بذلك هذه الشركات داعمة للنساء في إطار تمكينهن الاقتصادي، وإنتشالهن من دائرة الفقر والبطالة ، لا أن تصبح وسيلة لإلقائهن في السجون.

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *