الهاشمية تحتضر …الانبعاثات الناتجة عن تكرير النفط في مصفاة البترول

Posted by

علي الخلايلة – عمان اب/ 2025

“هذا اللواء لواء منكوب كل ملوثات البيئة الموجودة في الدنيا موجودة في هذا اللواء”. هذا ما يقوله أبو غسان القلاب،مواطن يسكن لواء الهاشمية، وما يؤكد كلامه هو تلك السحابة المثقلة بالدخان والغازات والأبخرة الناتجة عن مصفاة البترول الاردنية الواقعة في لواء الهاشمية في محافظة الزرقاء الاردنية، وعلى بعد اقل من اثني عشر مترا او اقل عن مصفاة البترول، حيث يستنشق أهالي اللواء هواء ملوثا كل صباح ومساء سببه الانبعاثات الناتجة عن شركة مصفاة البترول الأردنية (JPRC) المصفاة الوحيدة في المملكة، حيث تعمل منذ تأسيسها عام 1956 وبدأ عملها في 1961 على تكرير النفط الخام وتوفير المنتجات البترولية المحلية.

 وعلى الرغم من نجاحها في تحقيق أرباح قياسية وتوسيع طاقتها الإنتاجية لتلبية الطلب المحلي، إلا أن التحديات البيئية بقيت مرافقتها، خاصة مع ارتفاع معدلات التلوث الناتج عن انبعاثات ثاني أكسيد الكبريت (SO₂) وأكاسيد النيتروجين (NOₓ)، مما يثير تساؤلات حول التوازن بين التنمية الاقتصادية وحماية البيئة والصحة العامة.

يضيف القلاب أن هذا اللواء فيه العديد من المراكز المسببة للتلوث أبرزها مصفاة البترول المسؤولة عن تكرير النفط لإنتاج مشتقات ومواد بترولية تتسبب الروائح والانبعاثات الناتجة عنها في إحداث أضرار على البيئة والإنسان. هذه الأضرار أدت إلى منع زراعة منتجات زراعية فيه مثل البندورة والخيار.

ويتابع خلال حديثنا معه قبل قرابة شهر، أنه حتى الأشجار المثمرة أصبحت خطيرة، وأشار إلى شائعة تداولها الناس ولم يتم التحقق منها أنه كان هناك تسريب غاز في محطة مصفاة البترول، وكانت الانبعاثات بحسب قوله “مش طبيعية”.

 ويستطرد القلاب بأنه منذ سنوات طويلة وأهالي الهاشمية تطالب وزارة البيئة ووزارة الطاقة بتركيب فلاتر تخفف من رائحة الانبعاثات، إلا أنه لم يكن هناك استجابة بل على العكس زاد التلوث وزادت معه الأضرار البيئية والصحية على المواطنين.

يقول القلاب “على الحكومة أن تتبنى سياسة حقيقية بالتعامل مع المصفاة وأن يتخذوا قرارات تعتمد على خيارات جديدة تخفف من معاناة أهالي الهاشمية المستمرة منذ سنوات طويلة. نريد حل جوهري وحقيقي لمصفاة البترول، حل بيئي يحمي حياتنا وصحتنا.”

صورة تبين قرب المنازل عن المصفاة وفي الصورة انبعاثات تكرير النفط من مصفاة البترول الاردنية ليلا

الدكتور محمد الفرجات  أستاذ علم الجيولوجيا والمياه والبيئة ومدير مركز الدراسات والإستشارات والتنمية في جامعة الحسين بن طلال تحدث عن وجود أكاسيد مختلفة مثل أكاسيد النيتروجين، أكاسيد الكبريت و أكاسيد الكربون ناجمة عن معالجة وتكرير النفط الخام وإنبعاثاتها في الهواء.

إضافة الى الفلزات الثقيلة مثل مواد الزئبق، الكاليميوم و النتل إلى آخره تذهب إلى الجو أو الغلاف الجوي وتنتشر في الهواء  ليحدث بها عملية انتشار حتى لو كانت قليلة  بالرغم من الجهود المبذولة من قبل مصفاة البترول بوضع فلاتر لتنقية الانبعاثات ومعالجتها فيزيائيًا وكيميائيًا، إضافة إلى تحسين جودة النفط الخام، إلا أن الانبعاثات لا تزال قائمة.

في تسليط الضوء على مايحدث من اضرار على السكان قال الفرجات بأن السكان المقصود بهم ليس الذي يتعرض للغازات اول مره او الذين سكنوا حديثا انما المشكلة تكمن بالتراكم الحيوي او مايدعى بالانجليزية ب Bioaccumulation أنه كم استنشق هذا الإنسان المواد الملوثة التي تدخل عن طريق الهواء للرئة ومن الرئة للدم،

سحابة نتيجة  تراكم الانبعاثات في الجو يصل نصف قطرها ل 20 كم ثم بعد ذلك تنتشر في الهواء ويقل تركيزها، وفي البيئة المحيطة التربة تحديدا اذا اخذنا عينات تربة من المواقع والمناطق المحيطة بالمصفاة يكون تركيز الفلزات الثقيلة مثل الرصاص والزئبق والكاليميوم والنكل والأكسيدة المتطايرة في السماء ترسبت مع المطر ودخلت في التربة ممكن ان نجد تركيز اعلى من هاي المتبقيات او المواد الكيميائية منها في مكان اخر وهذا يأثر في نمو اعشاب ونباتات ممكن الكائنات الحية تأكلها فأصبح التنوع الحيوي يعاني ليس فقط من استنشاق الإنسان للغازات وإنما يعاني جراء أكل هذه المواد وسيتأثر ايضا التنوع الحيوي، غير الحديث عن الضجيج أو عمليات نقل المواد الخام للمصفاة ونقل المشتقات النفطية بعد تكريرها.

تقول هالة مراد، ناشطة بيئية، أن الإشكالية الأكبر التي أوجدتها المصفاة هي تحويل تلك البيئة الاقتصادية إلى تجمعات سكنية محيطة بالمصفاة، وكان المفروض من اتخاذ إجراءات تنظيمية صارمة حول توزيع المنشآت وتصنيف الأراضي في تلك المنطقة. لقد أثّر تأسيس مصفاة البترول في تلك المنطقة إلى انخفاض أسعار الأراضي بشكل أو بآخر، ما حفّزالناس إلى شراء الأراضي هناك وبناء بيوتهم حول المصفاة، ما أدى إلى ظهور مجتمعات جديدة.

ومع الانبعاثات الناجمة عن المصفاة وأهمها ثاني أكسيد الكبريت، بدأت تظهر إشكالية الصحة عند المواطنين، حيث أدت تلك الإشكالية إلى ظهور عدة أمراض بحسب دراسات قرأتها، ومنها إصابة معظم  المصابين من سكان منطقة الهاشمية بمرض السرطان.

وأضافت مراد، أنه بحسب تلك الدراسات، قد يكون معدل الإصابة بالسرطان بين سكان الهاشمية أعلى بمرتين ونصف، مؤكدةً أنه هناك بعض الإحصائيات تفيد بأن استنشاق الهواء في تلك المنطقة والمختلط مع الانبعاثات الضارة عن المصفاة قد يؤدي إلى حدوث طفح جلدي وتهيجات لها علاقة بالجهاز التنفسي بشكل عام والغدد.

وأشارت مراد إلى هذها الإشكاليات، التي تؤثر في صحة الكبير والصغير، هي بالأساس ناتجة عن حالة اجتماعية اقتصادية قائمة على الاحتياج، فالناس الأكثر فقراً تبحث دائماً عن منطقة سكنية ذات تكلفة منخفضة تستطيع فيها أن تلبي فيها جميع احتياجاتها اليومية، لذلك تضطر تلك الفئة المجتمعية إلى العيش في المناطق النائية أو البعيدة عن المدينة. وكانت المصفاة بالنسبة لها  فرصة للعيش، إلا أن الواقع بحسب مراد، لم يكن حسب ما تشتهي السفن، بل نتج عنها إشكاليات صحة أعمقق ما نتخيل.

ونوّهت مراد، أنه على الرغم من اختيار منطقة المصفاة بحيث تكون بعيدة عن التجمعات السكنية لتجنيب الناس من التعرض للانبعاثات، وأيضاً أن المنطقة فقيرة بالمكونات النباتية، أي أنها ليست منطقة غابات أو أشجار حرجية والغطاء النباتي فيها ضعيف، إضافة إلى افتقارها إلى الكائنات الحية، إلا أن المناطق الزراعية المحيطة بها تأثرث مثل مناطق بلعما وغريسة الواقعتين بين الزرقاء والمفرق، وطبعاً غيرها من المناطق الزراعية.

تقول مراد، بأنه بالتأكيد هناك أثر واضح على تلك المناطق، لكن لا تجزم إنه كان هناك دراسات، لأنها غير مطلعة على هذا النوع من الدراسات، لكن تعتقد أنه لا بد أن يكون هناك تأثير للانبعاثات وتأثير للرواسب الجوية على التربة، بشكل أو بآخر، على نوعية وجودة المحاصيل. ومن الممكن أن تتلوث المياه الجوفية جراء بعض الترسبات الجوية على التربة التي قد تنجرف نحو السيول ومن ثم تستقر في المياه الجوفية.

وأكدت مراد أنه لا بد أن يكون هناك إشكاليات أخرى مرتبطة بالانبعاثات الناجمة عن المصفاة، لأنه بالنهاية الغازات المنبعثة لا تستقر في الجو، بل تترسب بشكل أو بآخر في التربة، لذا، من المرجح أن يكون هناك إشكاليات كبيرة عميقة نتجت عن هذا الموضوع. ولفتت مراد الانتباه إلى أن جودة الهواء من المؤكد أنها ليست جيدة وهو ما يشعر به من يدخل منطقة الهاشمية، ويدرك أنه دخل منطقة ملوثة، حتى السيارات الحديثة المزودة بنظام جودة الهواء تعطي أنظمتها إشارات بأن الهواء ملوث وأن نسبة غازثاني أكسيد الكربون وغاز ثاني أكسيد الكبريت مرتفعة.

 وبالحديث عن قيم الانبعاثات الصادرة عن المصفاة، تقول مراد، “القيم دائماً ‫زي ما أنت شايف بالجدول ضمن الحدود،‫ما في إشي خارج، ‫ بس مع هذا وكله يعني هذا ما بيعني إنه ما فيه عدم أثر صحي. يعني القيم بتعطيك إنه هي ضمن الحدود بس هي كمان مؤشرات مش صغيرة، عالية”  واذا نظرنا الى المؤشرات بينها وبين عمان نرى انه مثلا تتمركز حول المصفاة او حول الحديقة المقابلة للمصفاة فمن المتوقع ان التمركز قبل المنشآت هذه حول المنشآة الصناعية او المصفاة تحديداً ان التمركز هواء الاكثر للتلوث بيعطينا مؤشرات سيئة.

وفي الحديث عن التذبذب في زيادة وخفض الانتاج قالت مراد، “بس كمان في تقلبات مرة بزيد مرة بينقص مرة بطلع مرة بينزل هاي تقلبات حادة تخيل انها بتبين قديش في في اشكالية بموضوع تقلبات الانبعاثات نفسها”.

اذا نظرنا على مؤشر عمان نرى ان هناك ثبات اكثر منه في الهاشمية حسب حديث مراد، ان هناك اشكالية لكن عدم ثبات المؤشرات البيئية في الهاشمية وارتفاع وتيرته اعلى لتصل لـ 300 درجة وحدة قياس بالمليون كما ما في الشكل، قد تصل لدرجة حد القلق في بعض المعطيات. مراد تقول “المشكلة أنه حتى هاي الرسمات البيانية يعني بتعطيكيش أشياء دقيقة بالنسبة كبيرة أنا مش عارفة صراحة بس بدنا ضلنا مركزين على فكرة أنه لازم في تطوير أنظمة تنقية الهواء وجود أشجار وحزام أخضر”، كما أكدت على وجوب العمل على وعي المجتمع المحلي ووجوب كيفية التعامل مع هذا التلوث وتقديم دعم تعليمي وصحي وبيئي مباشر للسكان.

صورة الأدخنة المتصاعدة من أبراج التكرير من مصفاة البترول الاردنية

في حديث مراد عن المصفاة “دائماً المصفاة بتعلن عن خطط لها علاقة بتنقية الهواء ووجود فلاتر ووجود مصافي وتحاول قد ما تقدر تتبنى مشاريع لها علاقة بينها تتحول نحو الاقتصاد الدائري والأخضر بالطاقة”.

بتقاريرها الأخيرة أعلنت أنه اصبح عندها خليط طاقة مع الطاقة المتجددة تصل إلى يمكن 20% إلى 24% بحسب مراد

. بالاضافة ان بعض الاشياء اللي لها علاقة باعادة استخدام المياه او تحاول إعطاء صورة نمطية عن نهج الحلول لكنها ترى انها للأسف هي لم تنتهج نهج الحلول الاجتماعية الجيدة بمعنى انه  كثير من المرات هناك مبادرات لزراعة مزيد من الاشجار في المنطقة، ‫أشجار تساعد كثير على تنقيط الهواء وفلترته.

‫كان كثير من المرات كان هناك مبادرات ‫لها علاقة بأنه يكون في رعاية اجتماعية ‫للسكان المحيطين كنوع من المسئولية الاجتماعية. ‫يعني أعتقد أن المصفاة إلى اليوم ‫ما بتلعب الدور الكافي المطلوب منها في الدور الاجتماعي، وتعتقد مراد انه ليس  الحلول الجذرية، ‫ولكن ضمن المسؤولية الاجتماعية يجب عليها أن تتولى مسؤولياتها نحو السكان المحيطين وأيضا يجب أن تتولى مسئولياتها نحو البيئة المحيطة إن كان في زراعة الأشجار أو حتى تركيب مصافي يعني 5% أو 10% تقليل من الانبعاثات أو تقليل من الانبعاثات الملوثة.

اما عن الدكتورة زينة حمدان مديرة مؤسسة “أوراق” للتنمية البيئية”  فحدثتنا عن الأثر البيئي الذي تحدثه المصفاة على الساكنين والنباتات والحيوانات، بالنسبة للمصافي النفطية، مثل الموجودة في لواء الهاشمية، تؤثر على البيئة عبر انبعاث الغازات الملوثة مثل ثاني أكسيد الكبريت وأكاسيد النيتروجين والجسيمات الدقيقة (PM2.5 و PM10)، والتي لها تأثير مباشر على صحة الجهاز التنفسي للقاطنين، وتزيد من معدلات الربو والحساسية وأمراض القلب.

بالنسبة للنباتات، تؤدي هذه الملوثات إلى ترسبات على الأوراق تعيق عملية التمثيل الضوئي، ما يقلل الإنتاجية الزراعية. أما الحيوانات، فتتأثر عبر السلسلة الغذائية والماء الملوث، ما قد يسبب تراجع التنوع الحيوي في المنطقة. دراسات بيئية في مناطق صناعية مشابهة أظهرت أن انبعاثات المصافي يمكن أن تزيد معدلات الأمراض المزمنة بنسبة تصل إلى 20% في المناطق القريبة إذا لم يتم ضبطها.

في تأثير المصفاة على جودة الحياة في لواء الهاشمية قالت الدكتورة حمدان”الأثر لا يقتصر على الصحة الجسدية فقط، بل يمتد إلى جودة الحياة ككل”.

 الروائح المنبعثة، الضوضاء الصناعية، وتلوث الهواء والماء كلها تؤثر على الراحة النفسية وتحد من الأنشطة في الهواء الطلق. كما تقلل من جاذبية المنطقة للاستثمار أو السياحة الداخلية، وقد تؤدي إلى انخفاض قيمة الأراضي والعقارات في المناطق المجاورة للمصفاة، مما ينعكس اقتصاديًا على السكان.

الحلول التي من شأنها تقليل هذا الأثر كما وصفتها الدكتورة حمدان هي تقنيات المعالجة الحديثة، بتركيب فلاتر وأنظمة Scrubbers متطورة لتقليل انبعاث الغازات والجسيمات الدقيقة، وايضا التشجير والعوازل الخضراء، بإنشاء أحزمة خضراء حول المصفاة لامتصاص الملوثات وتقليل انتشارها، مراقبة بيئية وصحية مستمرة، بتفعيل محطات رصد جودة الهواء والمياه بشكل لحظي ونشر البيانات للعموم، مع تنفيذ فحوصات طبية دورية للسكان، كما ويجب التعاون مع المجتمع المحلي، التحول للطاقة النظيفة بإدخال الغاز الطبيعي أو مصادر الطاقة المتجددة في بعض عمليات المصفاة لتقليل الانبعاثات و الربط بالاستراتيجية الوطنية للصحة والتغير المناخي.

الدكتورة حمدان قالت أن الأردن أطلق مؤخرًا الاستراتيجية الوطنية لتكيف القطاع الصحي مع التغير المناخي 2024–2033، وهي الأولى من نوعها في المنطقة، بالشراكة بين وزارة الصحة ووزارة البيئة. هذه الاستراتيجية تعترف بأن التلوث الصناعي – مثل الانبعاثات الناتجة عن المصافي – يزيد من المخاطر الصحية التي يفاقمها تغير المناخ، مثل أمراض الجهاز التنفسي والقلب.

وجود هذه الاستراتيجية يوفر إطارًا وطنيًا للتنسيق بين الجهات الصحية والبيئية والصناعية، لضمان الحد من الانبعاثات، ومراقبة أثرها على صحة السكان، وإدماج هذا البعد في التخطيط الوطني للتكيف المناخي.

بالتالي، أي حلول لتقليل أثر المصفاة يجب أن تنسجم مع هذه الاستراتيجية، سواء عبر تطوير أنظمة الرصد البيئي والصحي، أو تنفيذ حملات توعية مجتمعية، أو تعزيز القدرات الطبية للتعامل مع الحالات المرتبطة بالتلوث.

واقع صحي وبيئي صعب يعيشه أهالي لواء الهاشمية في محافظة الزرقاء الأردنية، واقع فرضته الانبعاثات والروائح الناجمة عن تكرير النفط في مصفاة البترول. لكن هذا الواقع الصعب يمكن أن يحل وبسرعة بقرارات حكومية واقعية مبنية على دراسات علمية وتجارب أهل المنطقة، بما يضمن المحافظة على صحة الناس وتحسين جودة حياتهم البيئية والاقتصادية.

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *