السجائر الإلكترونية وتغيير أنماط التدخين

Posted by

يبدأ محمود صاحب 49 عاماً يومه بتناول علبة السيجارة الموضوعة بجانب سريره ويدخن منها قبل أن يغادر فراشه، وفي الغرفة الثانية وعلى بعد أمتار يتكرر المشهد مع ابنه علي، صاحب الـ 17 عام ولكن باستخدام أداة مختلفة، فهو لا يدخن أعواد الدخان ذات الرائحة النفاذة بل يدخن الفيب الذي يستطيع إخفائها بسهولة تحت وسادته أو في جيبه ولن تثير رائحته شك والديه، كما أنه يعتقد أن أضراره أقل من أضرار أعواد الدخان.

هذا المشهد ليس بقصة فردية بل أننا بتنا نشهد مثلها الكثير، ففي الوقت الذي تتوجه العديد من دول العالم ودول الشرق الأوسط إلى التخفيف من نسب المدخنين نجد الأردن يتصدر المشهد بالمركز الثالث على مستوى الشرق الأوسط بعد لبنان وفلسطين بنسبة مدخنين للتبغ وصلت لـ 34% وفق آخر إحصائية صادرة عن World population Review لعام 2026.

أما في الأرقام المحلية فقد أشار المسح الوطني لاستخدام التبغ لدى البالغين لعام 2025 والذي أجرته وزارة الصحة الأردنية أن نسبة المدخنين في مجتمع العينة وصلت إلى 51.6%، وهم يدخنون نوعاً واحداً أو أكثر من منتجات التدخين المنتشره، ويعود سبب الاختلاف في النسب لوجود اختلاف في المقاييس التي تم الاعتماد عليها في تحديد من هم مستخدمي منتجات التبغ، بالإضافة لإختلاف الفئة العمرية مدار الدراسة وذلك بحسب الدكتور غيث عويس مدير مديرية التوعية والإعلام في وزارة الصحة.

إلا أن المشهد يبدو أكثر تعقيداً عندما نعلم أن الأردن من الدول التي كانت قد انضمت إلى اتفاق منظمة الصحة العالمية لمكافحة التبغ منذ عام 2005، وقد شهد الأردن انخفاض ملحوظ في نسب استخدام التبغ في عام 2010 واستمر بالتغير بنسبة بسيطة، إلا أن عام 2025 شهد تحولاً كبير في نسبة مستخدمي التبغ.


خلف هذا الانتشار، تتكرر قصص مختلفة في بدايتها، لكنها تلتقي في نقطة واحدة، حيث يبدأ الأمر بالفضول أحياناً وتقليد الأقران أو كعادة اجتماعية، فقد أشار المسح الوطني لاستخدام التبغ إلى أن 38.6% من المدخنين قد بدأوا التدخين قبل عمر الـ 17 سنة، وما يلبث إلا أن يتحول مع الوقت إلى ارتباط يصعب التخلص منه بسهولة.

كما أن هذا المسح أشار إلى أن نسب التدخين بين الذكور هي الأعلى بكافة أشكال التدخين، إلا فيما يخص الأراجيل، حيث أظهر أن نسبة مستخدمي الأراجيل من الإناث قد فاق نسمة مستخدمها من الذكور، وبالرغم من أن نسبة استخدام السجائر الالكترونية والتبغ المسخن أقل من غيرها، إلا أن الأمر مقلق كون هذه الأنماط من التدخين قد ترافق تدخين السجائر العايدية (التقليدية).

بين السجائر التقليدية والسجائر الإلكترونية، يسود اعتقاد بأن السجائر الإلكترونية و أجهزة التبخير وسيلة تساعد على الإقلاع عن التدخين، فما صحة هذا الاعتقاد وهل هو مصيدة للوقوع في فخ إدمان النيكوتين بطريقة أخرى؟

السجائر الإلكترونية وسيلة للإقلاع عن التدخين؟ أم إدمان من نوع جديد؟

أظهرت دراسة علمية تحمل عنوان السجائر الالكترونية للإقلاع عن التدخين: نظرة عامة على المراجعات المنهجية والأدلة وخريطة الفجوة نشرت في جامعة أوكسفورد -وتابعت مدخنين على مدار عام- أن مستخدمي السجائر الإلكتروني حققوا معدلات أعلى في الإقلاع عن التدخين، مقارنة بمن استمروا باستخدام السجائر وحدها، كما بينت النتائج أن هذا التأثير لم يقتصر على المدى القصير، بل استمر خلال مراحل مختلفة من المتابعة، إلا أن الأدلة المتعلقة بالآثار الجانبية الخطيرة ليست مؤكدة وبحاجة لدراسة بشكل أعمق.

قال الدكتور علاء قايت استشاري جراحة الصدر أن التدخين سواء التقليدي أو الإلكتروني ينحدران من نفس العائلة إلا أن لكل منهما الآثارًا صحيةً مختلفةً، فتدخين السجائر الإلكترونية يعطي نفس الحالة النفسية للتدخين العادي أي أنه يلبي “الاعتماد النفسي” بأن يمسك السيجارة وينفث الدخان، ومن جهة اخرى فهو يلبي الأثر الوظيفي من خلال إعطاء كمية النيكوتين بكميات معينة ومحسوبة وعليه يمكن أن تحل مكان السجائر التقليدية بطريقة أكثر سلاسة من فكرة استخدام اللصقات أو العلكة والتي تعطي النيكوتين ولكنها لا تلبي الاحتياج النفيس.

وأضاف أن التوجه لاستخدام السجائر الالكترونية يخلص مستخدمها من المواد الكيميائية الموجودة في الدخان مثل القطران (التار) والبروميد وغيرها من المواد التي تسبب صدمات الرئة وتضخمها وتدمير الخلايا أينما وصل سواء الفم والرئة والمريء وغيرها، وقد تؤدي إلى حدوث السرطان، في المقابل عند استخدام السجائر الإلكترونية المعتمدة على تسخين والتبخير وهو صنف آخر من التدخين الذي يحتوي على خلطة من المواد مثل الجليسرين ومواد اخرى تحافظ على النكهات، بالإضافة للنيكوتين والتي تعمل بمبدأ التسخين لتحرير النكهات والنيكوتين وإصدار الدخان، إلا أن هذه العملية تنتج مواد كيميائية تحدث ضرر مباشر ومختلف عن نوع الضرر التي تحدثه السجائر الإكترونية، ففي كثير من الحالات يحدث هذا النوع من الضرر على البنية الخلوية (popcorn lung)* وهو تغيير غير قابل للعلاج، ويحدث خلال فترة استخدام قصيرة .

“الأسوء هو النكهات” قال د.قايت، لأنها تعطي شعور أقل بالذنب “كأنه الشخص بياكل إشي زاكي” بالإضافة لأنه أكثر قَبول بين صغار العمر، لكن الأسوأ من هذا وذاك من وجهة نظره؛ أن السجائر الإلكترونية متاحة دائما، كونها لا تعتبر -لحد الآن- عند كثير من الناس والمؤسسات تدخينًا، فيمكن للشخص استخدامها داخل المؤسسات والمكاتب والبيوت دون توقف، وعليه يتعرض الشخص لها لمدد أطول وتكاد لا تفارق الأيادي.

لا يقتصر خطر استخدام نظم إيصال النيكوتين الإلكتروني على سميته فقط، بل يتعداه ليشمل إساءة استخدام المنتج أو التلاعب به، واستخدامه من قبل الأطفال والمراهقين والترويج له على أنه مادة يمكن الإقلاع عنها إذ تزداد الخطورة بالاستخدام المزدوج لمنتجات التبغ التقليدية والإلكترونية سويا –وهو الشائع- الأمر الذي يُعرض الشخص لدرجات وأنواع مختلفة من المخاطر.

فما هي الاجراءات المتبعة للتخفيف من التدخين ؟

قال الدكتور غيث عويس مدير مديرية التوعية والإعلام في وزارة الصحة، أن الوزارة بدأت العمل مع منظمة الصحة العالمة والشركاء المحليين، سواء في القطاع الحكومي او مؤسسات المجتمع المدني منذ عام العام ،2007 بتطبيق السياسات الستة للحد من انتشار التبغ، والتي يجب تطبيقها بشكل متكامل دون إغفال أي بند منها، للوصول إلى النتيجة المرجوة، والتي تتلخص في:

أولا الرصد (Monitor) وهذا ما قامت به وزارة الصحة من خلال المسح الوطني لإستخدام التبغ لدى البالغين لعام 2025 وما تقوم به من خلال عيادات الإقلاع عن التدخين المنتشرة في كافة محافظات المملكة.

ثانياً الحماية (Protect) وذلك بحماية غير المدخنين من التدخين السلبي، من خلال منع التدخين في الأماكن العامة المغلفة، وتقوم وزارة الصحة بالرقابة على ذلك من خلال رفع اعداد ضباط الارتباط وحاملي صفة الضابطة العدلية وعقد شراكات أمانة عمان ووزارة الداخلية الممثلة بمديرية الأمن العام بهدف انفاذ القانون، حيث بدأت أعداد المخالفات بالإنخفاض رغم زيادة أعداد الزيارات الرقابية وهذا مؤشر إيجابي على فعالية الرقابة على المؤسسات المختلفة.

وأكمل الدكتور عويس حديثه عن ثالث سياسة وهي الدعم (Offer) حيث وفرت وزارة الصحة عيادات للإقلاع عن التدخين وصل عددها إلى 31 عيادة منتشرة على مستوى المملكة، فيها أطباء مدربين على مستوى عالٍ، لتقديم الرعاية العلاجية (الدوائي والسلوكية) والاستشارات الطبية، إذ بلغت نسبة المقلعين عن التدخين من مراجعي هذه العيادات 15%، ويرى عويس ان هذه النسبة “مش قليلة” كون من يأتي للعيادة هو شخص حاول فعليا الإقلاع عن التدخين سابقاً ولم يستطع، وعليه هي لا تقيس نسبة المقلعين عن التدخين بشكل عام.

وأضاف الدكتور غيث عويس أن السياسة الرابعة هي التحذير (Warn) حيث بدأ الأردن منذ عام 2006 بوضع ملصقات تحذيرية على عبوات السجائر بنسبة تغطية تصل إلى 43% من حجم واجهة العبوة وسيتم تطبيق تعديلات جديدة على التحذيرات خلال الفترة القادمة.

أما فيما يخص الإنفاذ (Enforce)  قال الدكتور غيث أن المقصود هو إنفاذ القوانين الصارمة التي تمنع الإعلان والترويج للتبغ وقال “الحلو في الموضوع إنه وسائل الإعلام الأردنية الرسمية والخاصة واعية لأهمية منع عرض وترويج منتجات التبغ لكن التحد الكبير بصير في مواقع التواصل الاجتماعي”، وأضاف أنهم يقومون بمتابعة أي مخالفات تتم بهذا الشأن.

وأشار عويس إلى أن السياسة الأخيرة متعلقة بموضوع الضرائب (Raise) حيث تعتبر الضريبة المفروضة على منتجات التبغ في الأردن من أعلى نسب الضرائب على مستوى العالم إلا أن هذا الارتفاع لم يصعب الوصول للمنتج كون سعر منتجات التدخين في الأردن أقل نسبيًا من سعرها في البلدان المختلفة وعليه فإن رفع الضريبة لم يؤدي الغاية المرجوة منه وهي (تصعيب الحصول على المادة).

وقال إن الوزارة بدأت هذا العام بتطبيق سياسات جديدة فيما يخص عرض هذه المنتجات من خلال فرض وضعها في أماكن مغلقة أو خلف ستار حتى لا يراها الشخص بشكل مباشر، مع التشديد على منع بيع منتجات التدخين لمن هم أقل من 18 سنة وضرورة إبراز الهوية الشخصية لمن يُشك بأنهم أصغر من السن المحدد.

ما هي الضوابط القانونية للحد من ظاهرة التدخين؟

بالحديث عن الناحية القانونية فقد فرض المشرع الأردن العديد من الاجراءات القانونية والمشدده للحد من انتشار التدخين، حيث تم حظر التدخين بكافة أشكالة وفق قانون الصحة العامة رقم (47) لسنة 2008 وتعديلاته والذي سن عقوبة حبس تتراوح بين الشهر وست أشهر وبغرامة مالية تتراوح بين مئة وثلاثة الآف دينار بحسب الفعل الذي يتم اقترافه، فعلى سبيل المثال يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن شهر ولا تزيد على ثلاثة  أشهر أو بغرامة لا تقل عن مائة دينار ولا تزيد على مائتي دينار كل من قام بتدخين أي من منتجات التبغ في الأماكن العامة المحظور التدخين فيها، بينما شُددت العقوبة لتصبح الحبس مدة لا تقل عن ثلاثة اشهر ولا تزيد على ستة أشهر وبغرامة لا تقل عن ألف دينار ولا تزيد على ثلاثة آلاف دينار، كل من دخن أي من منتجات التبغ في دور الحضانة ورياض الأطفال والمدارس في القطاعين العام والخاص أو سمح بذلك، أو طبع أو عرض أو نشر أي إعلان لأغراض الدعاية لأي من منتجات التبغ، أو وزّع أي نشرات أو أدوات أو مواد للتعريف به، كما شمل القانون العديد من الجوانب الاخرى التي من شأنها التقليل من التدخين.

في كل عام يموت أكثر من تسعة آلاف شخص بسبب التدخين، فتخيل معي خلال هذا الوقت الذي قضيته وأنت تقرأ هذا التقرير دخن الأردنيون عشرات لا بل مئات السجائر، وقد يكون جزء منهم مرغم على التدخين سلباً، وآخر قدوة لأطفالهِ ومن حوله، والأخير أدرك تمامًا للأثر الضار الذي تركه التدخين على صحته إلا أنه مازال يقاتل عدوه الذي دفع له حتى يبقى إلى جانبه.

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *