بهاء البدور – ليلى خالد – معهد اﻹعلام الأردني
ثماني سنوات أمضاها “وليد” في العمل لدى إحدى الشركات، قدّم خلالها جهداً متواصلاً خلال السنوات الأخيرة، لا سيما مع عدم حصوله على زيادة في اﻷجور، في وقت يرزح فيه تحت أعباء ديون والتزامات معيشية متراكمة. حاول وليد مع عدد من زملائه مراراً مخاطبة إدارة الشركة للمطالبة بذلك، لكن مطالبهم كانت تُواجَه بالوعود والتبريرات دون حلول فعلية.اليوم، يلتزم وليد وزملاؤه الصمت، ليس اقتناعاً بالواقع الذي يعيشونه، بل خوفاً من عواقب أكثر قسوة، فهم يدركون أن أي محاولة للاحتجاج أو حتى التلويح بالإضراب قد تنتهي بفقدانهم وظائفهم بالكامل.تكشف قصة وليد جانباً من حالة “الهدوء القسري” التي خيّمت على سوق العمل الأردني خلال السنوات الأخيرة؛ إذ شهد الأردن تراجعاً حاداً في عدد الاحتجاجات العمالية خلال عام 2025، مسجلاً 24 احتجاجاً فقط، بعد سنوات اعتادت فيها الساحات على أصوات المطالب العمالية.إلا أن هذا الهدوء يفرض أسئلة صعبة: هل تحسنت ظروف العمل فعلاً؟ أم أن البطالة المرتفعة، التي بلغت 21.2%، دفعت العمال إلى الصمت خوفاً من فقدان وظائفهم؟
بحسب مسؤول الإعلام والاتصال في المرصد العمالي، مراد كتكت، قال: “إن هذا التراجع لا يعكس بالضرورة تحسناً جوهرياً في ظروف العمل، بل يرتبط، إلى حد كبير، بارتفاع كلفة الاحتجاج، التي قد يدفع العامل ثمنها بفقدان وظيفته”. ويرى أن ما يجري يمثل “هدوءاً قسرياً” فرضته البطالة المرتفعة، إلى جانب عوامل أخرى مثل ضعف الأجور، وهشاشة الحماية الاجتماعية، وتراجع فعالية التنظيم النقابي، وانخفاض الثقة بجدوى الاحتجاج كأداة لتحقيق المطالب.
ويشير كتكت إلى أن التطورات العسكرية والسياسية المتسارعة في المنطقة، وخاصة الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، والعدوان المستمر على قطاع غزة، ساهمت أيضاً في خلق حالة من “الجمود الاحتجاجي”، مدفوعة بعوامل نفسية وسياسية أثرت على المزاجين العام والعمالي معاً.
ويضيف أن هذه الظروف عززت حالة من “الاصطفاف خلف الاستقرار”، حيث ساد شعور عام بأن المطالب العمالية الداخلية قد تبدو “ثانوية” أمام التهديدات الإقليمية المتصاعدة. ومع تنامي المخاوف على الاستقرار الاقتصادي، أصبحت الأولوية بالنسبة لكثيرين الحفاظ على ما هو قائم، لا الدخول في مواجهات مطلبية جديدة.
من المطالب المعيشية إلى الاعتراض على قواعد السوق
وعند تفكيك دوافع الاحتجاجات العمالية التي نجت من “فخ الصمت” خلال عام 2025، يتضح أن الاحتجاج على القوانين والأنظمة والإجراءات والقرارات جاء في المرتبة الأولى، بنسبة 29.2% من إجمالي الاحتجاجات، وفق تقرير “المرصد العمالي”. وتلتها الاحتجاجات المرتبطة بالأجور بنسبة 25%، فيما توزعت النسب المتبقية على قضايا التأمين الصحي، والصحة والسلامة المهنية، وبيئة العمل، والمطالبة بتوفير فرص عمل.
وفي هذا السياق، يرى كتكت أن جوهر التوترات العمالية في الأردن لم يعد مقتصراً على المطالب المعيشية المباشرة، رغم أهميتها، بل بات يرتبط أيضاً بالاعتراض على الإطار المؤسسي والتنظيمي الذي يحكم علاقات العمل.
ويضيف أنه لو كانت الاحتجاجات متركزة فقط حول الأجور والمنافع، لكان من الممكن تفسيرها باعتبارها انعكاساً مباشراً لضيق الأوضاع المعيشية أو لتدهور شروط العمل داخل المنشآت. إلا أن تصدّر الاحتجاجات المرتبطة بالقوانين والأنظمة يعني أن شريحة واسعة من العاملين لم تعد تعترض فقط على نتائج السوق، بل على القواعد التي تنظّم علاقات العمل داخله.
احتجاجات قصيرة المدة.. ومطالب بلا استجابة
أما فيما يتعلق بمدة الاحتجاجات التي نُفذت خلال العام الماضي، فقد أظهرت نتائج تقرير “المرصد العمالي” أن نصف الاحتجاجات لم تتجاوز يوماً واحداً، في مؤشر يعكس ميلاً واضحاً نحو “الاحتجاج منخفض الكلفة”، وشكّلت الاعتصامات 50% من إجمالي التحركات، بينما توقفت 37.5% منها عند حد “التهديد بالاحتجاج” فقط، في حين لم تتجاوز نسبة الإضرابات الفعلية 12.5%.
ويشير التقرير إلى أن الاحتجاج لم يعد بالنسبة للعاملين أداة ضغط مضمونة النتائج، بل خطوة تُحسب بدقة ضمن حدود لا تؤدي إلى خسارة الوظيفة أو الدخول في مواجهة يصعب تحمل تبعاتها.
أما على مستوى التوزيع القطاعي، فقد أظهرت نتائج التقرير تركزاً واضحاً للاحتجاجات في القطاع الخاص، الذي استحوذ على 70.8% من مجمل الاحتجاجات، بواقع 17 احتجاجاً. ويرى التقرير أن هذه النسبة تعكس هشاشة ظروف العمل وغياب الاستقرار الوظيفي في القطاع الخاص، مقارنة بالقطاع العام الذي سجّل حضوراً أقل بكثير للاحتجاجات العمالية.
خبير حقوقي: الهدوء العمالي في الأردن “خديعة ” والسبب ضعف دور النقابات العمالية
وفي قراءة تحليلية، يرى الخبير الحقوقي ورئيس المركز الأردني لحقوق العمال، حمادة أبو نجمة، أن انخفاض عدد الاحتجاجات لا يمثل مؤشراً على تحسن أوضاع العمال أو تراجع مشكلات سوق العمل.
ويؤكد أبو نجمة أن الاستقرار، في أدبيات علاقات العمل، لا يُقاس بانخفاض الإضرابات، بل بقدرة العمال على التنظيم والتفاوض، وهي القدرة التي تآكلت بفعل ارتفاع معدلات البطالة واتساع العمل الهش.
ويوضح أن كلفة الاحتجاج في سوق عمل محدود الفرص، كالسوق الأردني، أصبحت “باهظة”، حيث تحوّل انعدام الأمان الوظيفي إلى أداة تُضعف الفعل الجماعي. ويضيف: “قراءة انخفاض الاحتجاجات بعيداً عن بنية سوق العمل قراءة مضللة؛ فالعمال باتوا يفضلون الصمت على مخاطرة الفصل، في ظل غياب الحماية النقابية”.
وحول الاحتجاجات التي تتم خارج الأطر النقابية، يصفها أبو نجمة بأنها انعكاس لـ”مشكلة بنيوية” في أدوات التمثيل العمالي. ففي الوقت الذي تعمل فيه النقابات في دول مستقرة، مثل دول شمال أوروبا، كمؤسسات توازن قوى، كما حدث خلال اعتصام عمال الكهرباء عام 2014 الذي حقق مبتغاه.





ويشير إلى أن القيود القانونية المفروضة على تأسيس النقابات دفعت العمال نحو أشكال احتجاج مؤقتة وغير منظمة، تفتقر للحماية والقدرة على الاستمرار في التفاوض، مثل اعتصام عمال الحديد الذي باء بالفشل.
من إدارة الأزمات إلى الوقاية
وفي استشرافه للحلول، يدعو أبو نجمة إلى الانتقال من عقلية “إطفاء الحرائق” بعد وقوع الاحتجاجات، إلى بناء منظومة قائمة على الوقاية والاستباق.
ويقترح تطوير أنظمة “إنذار مبكر” ترصد تأخر الأجور وتكرار الشكاوى، عبر ربط بيانات الضمان الاجتماعي بالتفتيش، إلى جانب توفير حماية حقيقية للمشتكين أو للعاملين المشاركين في الأنشطة النقابية، وتفعيل المفاوضة الجماعية داخل القطاعات الاقتصادية لضمان أجور عادلة ترتبط بكلف المعيشة المتصاعدة.





وزارة العمل: 31 ألف جولة تفتيشية وتسوية أكثر من 5 آلاف شكوى
في المقابل، تؤكد وزارة العمل أن قنواتها الرقابية تعمل بكامل طاقتها لضبط التجاوزات في سوق العمل، وقال الناطق الإعلامي باسم الوزارة، محمد الزيود، إن الفرق التفتيشية نفذت زيارات شملت 31,069 منشأة خلال عام 2025، للتأكد من التزام أصحاب العمل بأحكام القانون وتوفير بيئة عمل آمنة وصحية.
وعلى صعيد الشكاوى، أوضح الزيود أن منصة “حماية” الإلكترونية استقبلت 9791 شكوى خلال العام ذاته، تركزت غالبيتها حول قضايا تمس لقمة عيش العامل مباشرة، مثل تأخر أو عدم دفع الأجور، وإنهاء الخدمات، وإيقاف العمال عن العمل.
وبيّن أن الوزارة تعاملت مع هذه الشكاوى عبر مسارين؛ الأول شمل تحويل 4607 شكاوى إلى القضاء لعدم اختصاص الوزارة بها، فيما نجح المسار الثاني في تسوية 5184 شكوى ودياً، واسترداد الحقوق العمالية من خلال الإجراءات الميدانية.
وشدد الزيود على أن الوزارة لا تتهاون في تحصيل الحقوق العمالية، موضحاً أن الإجراءات تبدأ بالتواصل مع صاحب العمل، وفي حال عدم الاستجابة تُوجَّه إنذارات تمنح مهلة أسبوع للالتزام، وصولاً إلى تحرير مخالفات قانونية وتحويل الملفات إلى القضاء.
طريق مسدود.. لماذا فشلت غالبية الاحتجاجات من انتزاع مطالبها؟
تكشف بيانات المرصد العمالي الأردني عن مأزق حقيقي يواجه الحراك العمالي في الأردن؛ إذ اصطدمت 87.5% من الاحتجاجات التي نُفذت خلال عام 2025، بواقع 21 احتجاجاً، برفض الإدارات، فيما لم تنجح سوى حالة واحدة في تحقيق جزء محدود من مطالبها.
هذا الإخفاق، فسره التقرير، بأنه لا يرتبط فقط بتعنت أصحاب العمل، الذين يتبع بعضهم سياسة “المماطلة” و”إبر التخدير” لاحتواء الاحتجاجات ومنع توسعها، بل يعود أيضاً إلى عوامل أعمق تضع العمال في موقع تفاوضي ضعيف، لافتقارهم مهارات التنظيم والمفاوضة الجماعية، وضغط الخوف من فقدان مصدر الدخل، ما يجعل الاستمرار في الاحتجاج خياراً شديد الكلفة.
ويتعمق هذا المأزق مع استمرار القيود القانونية المفروضة على العمل النقابي؛ إذ ما تزال المادة (98) من قانون العمل تمنح وزير العمل صلاحيات واسعة في تصنيف المهن التي يحق لعمالها تأسيس نقابات، في ظل غياب التعددية النقابية وعدم مصادقة الأردن على اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم (87).

هذا الواقع، وفق مراقبين، أضعف قدرة النقابات على أداء دورها كأدوات حماية وتمثيل، وترك العمال في مواجهة فردية غير متكافئة مع أصحاب العمل.
مستقبل سوق العمل.. الحاجة إلى إصلاح وحوار
تظهر قراءة واقع الاحتجاجات العمالية في الأردن خلال عام 2025 أن استعادة التوازن في سوق العمل لا يمكن أن تتحقق دون مراجعة حقيقية لسياسات الأجور، بما يضمن رفعها وربطها بمستويات المعيشة والتضخم، بهدف تقليص الفجوة المتسعة بين الدخل وكلفة الحياة.
كما تبرز الحاجة إلى توفير فرص عمل لائقة، وتخفيض معدلات البطالة، وتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية لتشمل الفئات الهشة خارج الاقتصاد المنظم، إلى جانب إعادة النظر في القيود المفروضة على التنظيم النقابي.
ويبقى الانتقال من عقلية “إدارة الأزمة” إلى بناء أنظمة فعالة للحوار الاجتماعي والمفاوضة الجماعية، السبيل الأهم لمعالجة النزاعات العمالية بشكل مؤسسي، قبل أن تتحول حالة الصمت القسري إلى انفجارات اجتماعية يصعب احتواؤها.