العراقيون في السوق العقاري الأردني: من التوسع إلى التراجع

Posted by

فوزية الشامي

معهد الإعلام الأردني – حزيران 2026

“أكو زمان كانت الرابية يسمّوها جمهورية العراق… تركب تكسي وتكله على الرابية، يقول لك: جمهورية العراق” بهذه الجملة باللهجة العراقية، يبدأ أسامة حلبوسي باستعادة ذاكرة مرحلة كانت فيها بعض مناطق عمّان، وخاصة الرابية والجاردنز والصويفية ومحيطها، تبدو وكأنها امتداد اجتماعي واقتصادي للجالية العراقية. لم يكن الاسم رسميًا، لكنه كان متداولًا بين الناس كتوصيف لحضور عراقي كثيف في تلك المناطق، حيث السكن والتجارة والحياة اليومية.

ومن هذه الذاكرة يستعيد أسامة حلبوسي، المستثمر العراقي الذي استقر في الأردن منذ عام 2008، رحلة تنقّل امتدت بين العراق والأردن، رافقت تحولات الاستثمار العراقي وتقلبات السوق العقاري، في ظل متغيرات سياسية وأمنية واقتصادية أعادت رسم وجهات المستثمرين على مدى سنوات.

“كان الأردن خيارًا طبيعيًا بالنسبة لكثير من العراقيين؛ بلد عربي ومسلم، يتمتع بالأمن والاستقرار، كما أن هناك تقاربًا كبيرًا في العادات والتقاليد وطبيعة المجتمع بين الأردنيين والعراقيين”، يقول حلبوسي.

أصبح وجهة مفضلة لأصحاب رؤوس الأموال الباحثين عن بيئة مستقرة للعيش والعمل مع عائلاتهم. وبحسبه، شجّع هذا الاستقرار العديد من العائلات العراقية على الإقامة طويلة الأمد في الأردن، فيما شهدت الاستثمارات العراقية توسعًا ملحوظًا وتنوعًا أكبر في القطاعات بعد عام 2014. وفق أسامة.

وفي القطاع العقاري، يوضح حلبوسي أن العراقيين يميلون بطبيعتهم إلى الاستثمار في الأراضي أكثر من الشقق السكنية، وهو ما يعزوه إلى طبيعة السوق العقاري في العراق وثقافة التملك السائدة هناك.

منافسة إقليمية

إن استمرار الإقبال العراقي على السوق العقاري الأردني ارتبط بقدرة السوق على استيعاب هذه الاستثمارات. فبحسب أسامة، بقي حجم الطلب في بعض الفترات أقل من حجم المعروض، ما انعكس على حركة البيع والشراء والعوائد المتوقعة للمستثمرين. وفي ظل هذه المعادلة، واصل بعض العراقيين استثماراتهم العقارية في الأردن، بينما أعاد آخرون تقييم خياراتهم واتجهوا إلى أسواق أخرى أو فضّلوا العودة للاستثمار داخل العراق مع تحسن الظروف الاقتصادية فيه.

ويشير حلبوسي إلى أن الأردن غالبًا ما يأتي في مرتبة متأخرة ضمن هذه المفاضلة، رغم ما يتمتع به من استقرار سياسي واجتماعي، مرجعًا ذلك إلى محدودية الحوافز الاقتصادية مقارنة بأسواق إقليمية منافسة، وعلى رأسها الإمارات، إلى جانب تنامي جاذبية السوق العراقي نفسه.

وفي المقابل، عملت الحكومة العراقية خلال السنوات الأخيرة على جذب رؤوس الأموال عبر تسهيلات مرتبطة بالمشاريع الكبرى، خصوصًا في قطاع الإسكان والتطوير العقاري، ما ساهم في إعادة توجيه جزء من الاستثمارات نحو الداخل.

بيانات رسمية

وبحسب بيانات دائرة الأراضي والمساحة، شهدت معاملات تملك العقارات لغير الأردنيين خلال الفترة (2013–2025) تباينًا في مستويات الطلب بين الجنسيات المختلفة. ورغم هذا التراجع والتذبذب العام في السوق، حافظت الجنسية العراقية على موقعها كالأقوى من حيث حجم البيوعات مقارنة ببقية الجنسيات. كما تتركز هذه البيوعات بشكل أوضح في الأراضي مقارنة بالشقق لدى مختلف الجنسيات.

الإطار القانوني: تنظيم لا تقييد

وحول الإطار القانوني الذي ينظم تملك غير الأردنيين في الأردن، أوضح المحامي النظامي عاصم الذنيبات أن العملية تخضع لقانون الملكية العقارية، وهو القانون الذي يحدد شروط وإجراءات تملك الأجانب داخل الأردن.

ويشير الذنيبات إلى أن التملك لا يتم بشكل تلقائي، بل يخضع لسلسلة من الموافقات الرسمية تبدأ من وزارة الداخلية، التي تقوم بدورها بتحويل الطلبات إلى الجهات المختصة، بما فيها الأجهزة الأمنية؛ لدراسة الطلب واتخاذ القرار بالموافقة أو الرفض وفق أسس ومعايير محددة، في حين بعض حالات التملك تخضع لقيود إضافية تتعلق بالمواقع أو طبيعة العقار، حيث يُمنع التملك في مناطق حساسة لأسباب أمنية أو تنظيمية، كما تُفرض قيود على حجم التملك أو غايته.

كما يوضح الذنيبات أن من الشروط المرتبطة بالتملك وجود فترة منع من التصرف بالعقار بعد شرائه، إذ لا يُسمح ببيعه إلا بعد مرور فترة تصل إلى أربع سنوات، وذلك بهدف تنظيم السوق والحد من المضاربات العقارية السريعة.

وبحسبه، شهدت السنوات الأخيرة تعديلات على هذه الإجراءات، تمثلت في إعادة تنظيم مسار الموافقات، بحيث أصبحت أكثر وضوحًا وانضباطًا، مع تقليل مساحة الاجتهاد الفردي وربط القرارات بمعايير قانونية وإدارية محددة.

أما فيما يتعلق بأسباب رفض طلبات التملك، فيوضح الذنيبات أن أبرزها يرتبط بمبدأ “المعاملة بالمثل”، إضافة إلى اعتبارات تتعلق بالمواقع الحساسة، أو تجاوز الحدود المسموح بها للتملك، أو عدم توافق الطلب مع الشروط القانونية المعمول بها.

ويرى الذنيبات أن هذه المنظومة لا تهدف إلى التعقيد، بل إلى تنظيم السوق وضبطه، بما يوازن بين جذب الاستثمار الأجنبي والحفاظ على اعتبارات السيادة والأمن الوطني، مع ضمان وضوح الإجراءات أمام المستثمرين.

عودة الاستثمار إلى العراق

يرى زين العابدين داوود صاحب أصول عقارية عراقي، أن العراق انتقل خلال السنوات الأخيرة من مرحلة عدم الاستقرار إلى وضع أكثر قابلية للعيش والعمل، بعدما أصبح، بحسب تعبيره، أكثر استقرارًا اجتماعيًا، وأقل كلفة من حيث المعيشة والضرائب والخدمات، مع اتساع فرص العمل وتسهيل الإجراءات الاقتصادية.

ويقول داوود إن العراق بات اليوم بيئة أكثر مرونة لسوق العقارية، سواء من حيث انخفاض كلفة السكن والخدمات أو سهولة ممارسة الأنشطة التجارية، مقارنة بأسواق أخرى في المنطقة العربية.

في المقابل، يرى أن بيئة السوق العقاري في الأردن أكثر تقييدًا، خاصة فيما يتعلق بفرص الدخول إلى المشاريع الصغيرة والمتوسطة، إلى جانب الإجراءات المالية والمصرفية التي أصبحت أكثر تشددًا، ما انعكس على جدوى شراء الشقق والأراضي ورفع الكلف الضريبية.

ويضيف أن بعض العراقيين الذين عاشوا لفترات طويلة خارج بلدانهم، خصوصًا في دول الغرب، أعادوا توجيه استثماراتهم العقارية إلى بلدانهم الأصلية بعد حصولهم على جنسيات جديدة، فيما فضّل آخرون العودة إلى العراق وتحويل أصولهم إليه مع تحسن البيئة الاقتصادية هناك.

“جئت إلى الأردن عام 1999 بعد حصولي على فرصة عمل في مستشفى جبل الزيتون”، يقول جعفر الحسني، طبيب الطوارئ الجراحية المقيم في الأردن منذ أكثر من ربع قرن.

بعد اثني عشر عامًا من إقامته، اتخذ الحسني قرار شراء شقة في الأردن، مدفوعًا برغبته في الاستقرار وتأمين سكن دائم له ولعائلته. ويوضح أن الهدف من شراء العقار لم يكن استثماريًا بقدر ما كان مرتبطًا بالعيش والاستقرار في البلد الذي أمضى فيه سنوات طويلة من حياته المهنية.

ويشير الحسني إلى أن إجراءات تملك العقار لغير الأردنيين كانت آنذاك أكثر سهولة، سواء من حيث الموافقات أو المعاملات الإدارية، ما شجعه على المضي في قرار الشراء.

ويرى أن الإقبال العراقي الكبير على شراء العقارات في الأردن خلال سنوات سابقة أسهم في ارتفاع أسعارها، بل وأدى في بعض الأحيان إلى المبالغة في قيمتها السوقية نتيجة زيادة الطلب على مختلف أنواع العقارات.

أما بشأن تراجع الإقبال العراقي على شراء العقارات في الأردن خلال السنوات الأخيرة، فيعزوه الحسني إلى التحسن الذي شهدته الأوضاع في العراق، خاصة على الصعيد الأمني، إلى جانب اتساع فرص العمل والاستثمار. ويضيف أن العراق، بوصفه سوقًا كبيرة ذات طلب استهلاكي مرتفع، أصبح أكثر قدرة على استقطاب رؤوس الأموال العراقية التي كانت تتجه سابقًا إلى الخارج بحثًا عن الاستقرار أو الفرص الاقتصادية.

مفاضلة استثمارية متغيرة

“اخترت الأردن للإقامة عام 2004 لما يتمتع به من أمن واستقرار، فضلًا عن التقارب الكبير بين المجتمعين الأردني والعراقي”، يقول الفاروق النعيمي، الذي استقر في الأردن منذ أكثر من عقدين.

ويضيف أن عوامل عديدة دفعته إلى اختيار الأردن، من بينها انتظام الحياة العامة، والمناخ المناسب، والشعور بالألفة نتيجة تشابه العادات والتقاليد بين الشعبين، الأمر الذي خفف من شعوره بالغربة وسهّل اندماجه في المجتمع.

وعن قرار شراء العقار، يوضح النعيمي أن الدافع الأساسي لم يكن الاستثمار بقدر ما كان البحث عن السكن والاستقرار طويل الأمد. ويشير إلى أن ما شجعه على ذلك هو ما لمسه من أمن واستقرار ومساواة، إلى جانب شعوره بأن الأردن بيئة مناسبة للعيش وتأسيس حياة مستقرة.

ويصف تجربة شراء العقار في الأردن بأنها كانت سهلة وسلسة من حيث الإجراءات والتسهيلات، الأمر الذي شجع العديد من العراقيين على تملك العقارات خلال السنوات الماضية.

أما فيما يتعلق بانخفاض بيوعات العقارات لغير الأردنيين خلال عام 2025، فيعتقد النعيمي أن ذلك لم ينعكس بصورة ملموسة على المشترين العراقيين، مشيرًا إلى أن العراقيين حافظوا على حضورهم كإحدى أكثر الجنسيات شراءً للعقارات في الأردن على مدار السنوات الماضية، وفقًا للبيانات الصادرة عن دائرة الأراضي والمساحة.

ويوضح حسين القيسي، مهندس في إحدى الشركات في بغداد أن الهدف من شراء العقار لم يكن استثماريًا بالدرجة الأولى، بل ارتبط بالرغبة في السكن والاستقرار، مشيرًا إلى أن تجربة شراء العقار في الأردن اتسمت بالسهولة من حيث الإجراءات والمعاملات المرتبطة بالتملك.

ويرى القيسي أن إقبال العراقيين على شراء العقارات في الأردن أسهم خلال السنوات الماضية في تنشيط حركة البيع والشراء داخل السوق العقاري، وشكّل أحد العوامل التي عززت النشاط في القطاع العقاري.

كما يشير القيسي إلى أن الرسوم المفروضة على عمليات شراء وبيع العقارات لغير الأردنيين التي بلغت 6% تعد مقبولة من وجهة نظره، إلا أن تعزيز النشاط العقاري يتطلب الحفاظ على استدامة حركة البيع والشراء وتوفير بيئة أكثر مرونة للمستثمرين.

ويقترح القيسي إعادة النظر في بعض القيود المرتبطة بمدة الاحتفاظ بالعقار قبل بيعه، باعتبار أن ذلك قد يسهم في تنشيط السوق العقاري وزيادة جاذبيته للمشترين غير الأردنيين.

“عائلتي باعت كل ما تملك من شقق وأراضٍ في الأردن، وعادت إلى مدينة أربيل من أربع سنوات، بعد تحسّن الأوضاع هناك”، هذا ما قاله على سرمد، الذي يعيش في الأردن ويتنقّل بين الدول الأخرى لارتباطه بظروف العمل والإقامة.

ويضيف سرمد أن قرار العودة لم يكن مفاجئًا، بل جاء نتيجة تقييم متراكم لتغيّر الظروف الاقتصادية والأمنية في العراق، والتي أصبحت – بحسب وصفه – أكثر استقرارًا وقابلية للعيش والاستثمار مقارنة بالسنوات السابقة. مؤكدًا أن تحسّن الأوضاع في العراق دفع بعض العراقيين إلى إعادة توجيه استثماراتهم والعودة للاستقرار فيه بعد سنوات من التوجه إلى الأردن

“يميلون العراقيون في استثماراتهم العقارية في الأردن إلى شراء الأراضي والبيوت المستقلة أكثر من الشقق السكنية، وهو ما يرتبط بطبيعة السكن والثقافة السائدة في العراق، حيث يفضّل الكثيرون الملكيات الأرضية والمنازل الخاصة” وفق سرمد.

ويختم بالقول سرمد إن حركة الاستثمار بين العراق والأردن ما زالت قائمة، لكنها أصبحت أكثر ارتباطًا بالمفاضلة بين الفرص المتاحة في كل بلد، وفقًا لتغير الظروف الاقتصادية والأمنية في المنطقة.

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *