العمال الفلسطينيون.. بطالة مُمتدة واستقرار أُسري غائب

Posted by

معهد الإعلام الأردني – دينا جرادات

منذ عامين ونصف كان أبو طارق من محافظة جنين  على موعد مع واقع  مرير جعل ظروف حياته صعبة للغاية، بعد أن فقد عمله الذي يعتاش منه داخل الأراضي المحتلة عام 1948، كحال آلاف العمال من الضفة والذين فقدوا عملهم تزامنا مع حرب الإبادة التي شنها الاحتلال على قطاع غزة.

هذا الواقع المرير ازداد قسوة منذ ثلاثة أشهر بعد أن ألقت الظروف الإقليمية الناجمة عن الحرب الأمريكية الإيرانية بظلالها على الاقتصاد العالمي والمحلي، وهو ما أضاف مشقة أخرى على العاطلين عن العمل مع ارتفاع أسعار الوقود والسلع.

لم يكن أبو طارق، وهو رجل ستيني يتخيّل أن ينتهي به الحال واقفًا بين الأشجار اليابسة، يفتّش في بقايا الأغصان عمّا يُبقي نار مطبخه مشتعلة. حين طلبت منه زوجته أم طارق، تبديل جرة الغاز، لم يكن يتوقّع أن يتحوّل السؤال البسيط إلى صفعة جديدة على وجه العائلة.

وقف أبو طارق أمام البائع مذهولًا؛ ارتفع سعر جرة الغاز من 75 شيقلًا إلى 120، كأن الحرب الإقليمية قرّرت أن تمدّ يدها إلى جيوب الفقراء هنا أيضًا. عاد إلى البيت مثقلًا بالعجز، لا يحمل الغاز، بل يحمل خيبة رجلٍ لم يعد قادرًا على تأمين أبسط احتياجات بيته.

يقول زياد بصوتٍ خافت يشبه الاعتذار: “لم أعد أملك ثمنها… صرت أبحث عن أخشاب الشجر لتطبخ زوجتي عليها”. 

لكن زياد ليس وحيدًا في هذه الحكاية. فهناك أكثر من 200 ألف عامل فلسطيني فقدوا أعمالهم، وأُغلقت في وجوههم أبواب الرزق، منذ سحب تصاريحهم وتوقّفهم القسري عن العمل داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة. فجأة، وجد هؤلاء أنفسهم بلا دخل يحملون عبء أسرٍ كاملة فيما تتراكم الأزمات فوق صدورهم من كل اتجاه. 

في ساحة المنزل الصغيرة، تجمع أم طارق ما تيسّر من الحطب، تنفخ النار بيديها المتعبتين، بينما يتصاعد الدخان إلى وجهها بدلًا من رائحة الطعام. لم تعد النار وسيلة للطهي فقط، بل صورة مكثّفة عن حياة تتآكل ببطء؛ حياة تدفع ثمن الحروب.ومنذ أكثر من عامين، يجلس زياد مثل الآلاف غيره، يراقب الأيام وهي تمرّ ثقيلة. لم يكن وحده من خسر مصدر رزقه؛ أبناؤه المتزوجون أيضًا فقدوا أعمالهم، فتضاعفت الخسارة داخل البيت الواحد، واتّسعت دائرة العجز لتشمل عائلات بأكملها، تتقاسم الخبز والهمّ والخوف من الغد.



بطالة خلف الحرب
لا تبدو أزمة أبو طارق “الرجل الستيني” إلا فصلًا جديدًا من حكاية طويلة يعيشها آلاف العمال الفلسطينيين بصمت؛ حين تتحوّل الحروب إلى عبء يومي على موائدهم الباردة وحين يصبح الحطب في القرن الحادي والعشرين بديلًا عن أبسط حقوق الحياة.

بهذا السياق، تكشف بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني حجم التحوّل العنيف الذي أصاب سوق العمل الفلسطيني منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، بعدما فقد عشرات آلاف العمال مصادر رزقهم داخل أراضي الـ48، في واحدة من أعمق الأزمات الاقتصادية التي شهدتها الضفة الغربية خلال السنوات الأخيرة. 

ومع تشديد القيود الإسرائيلية ووقف تصاريح العمل، ارتفعت معدلات البطالة بصورة غير مسبوقة، بينما تراجع عدد العمال الفلسطينيين العاملين داخل أراضي الـ48 إلى مستويات حادة، ما انعكس مباشرة على الأوضاع المعيشية لآلاف الأسر الفلسطينية.وبحسب بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، ارتفع عدد العاطلين عن العمل إلى نحو 280 ألفًا في الربع الرابع من عام 2025، مقارنة مع حوالي 129 ألفًا في الربع الثالث من عام 2023. كما ارتفعت معدلات البطالة في الضفة الغربية إلى نحو 28% في الربع الرابع من عام 2025، مقارنة مع 13% قبل الحرب، فيما بلغت نحو 31% خلال عام 2024.

وأظهرت النتائج تراجع عدد العاملين من الضفة الغربية داخل أراضي الـ48 من حوالي 172 ألف عامل في الربع الثالث من عام 2023 إلى 25 ألف عامل فقط في الربع الرابع من العام نفسه، قبل أن يرتفع تدريجيًا ليصل إلى نحو 51 ألف عامل في الربع الرابع من عام 2025.وكان الانخفاض الأكبر في أعداد العمال الحاصلين على تصاريح عمل، إذ تراجع عددهم من حوالي 127 ألفًا إلى 14 ألف عامل فقط، فيما انخفض عدد العاملين دون تصريح من 37 ألفًا إلى 21 ألفًا. في المقابل، ارتفع عدد العاملين من حملة الهوية المقدسية أو الأجنبية من نحو 8 آلاف إلى قرابة 17 ألف عامل.

نزيف العمالة
في السياق ذاته، أكد عضو الدائرة الإعلامية في الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين، سعيد عمران، أن المشهد العمالي الفلسطيني دخل مرحلة الكارثة الحقيقية بعد 31 شهرًا من التعطل القسري، معلنًا عن خسائر شهرية ناتجة عن بطالة العمال، بلغت مليارًا و350 مليون شيقل، بينما ناهزت الخسائر الإجمالية منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر2023، حاجز الـ10 مليارات دولار. 

وأوضح عمران أن عدد المتعطلين عن العمل تجاوز 550 ألف عامل في الضفة الغربية، منهم من يعمل في الأراضي الفلسطينية المحتلة وآخرين داخل الضفة الغربية، ما يمثل نتاجًا مباشرًا لسياسة الخناق التي يفرضها الاحتلال عبر إغلاق الحواجز وتقييد الحركة بالبوابات الحديدية، وهجمات المستوطنين التي استهدفت الموارد والأراضي الزراعية.

وأشار عمران إلى أن سيطرة الاحتلال على المواد الخام والموارد الأساسية أدت إلى خنق البدائل المحلية، ما جعل العامل الفلسطيني يعيش في معزل اقتصادي.

وأكد أن الحرمان من فرص العمل دفع العمال للمخاطرة بحياتهم عبر طرق غير آمنة للوصول إلى العمل في داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، ومنها محاولة تسلق واجتياز جدار الفصل العنصري هربًا من ملاحقة الشيكات والديون المتراكمة؛ وهي المخاطرة التي أسفرت عن فاتورة دموية بارتقاء 51 شهيدًا من العمال وتسجل أكثر من 38 ألف حالة اعتقال.

حرب استنزاف اقتصادية
بدوره، يشير الخبير في الشأن الاقتصادي، أيهم أبو غوش، إلى أن قرار الاحتلال الإسرائيلي بمنع العمال الفلسطينيين من التوجه إلى أعمالهم داخل الخط الأخضر عقب السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، شكّل ضربة قاصمة للبنية الاجتماعية والاقتصادية الفلسطينية.

وأشار أبو غوش إلى أن الاقتصاد الفلسطيني دخل في حالة من التراجع الحاد، إذ بلغت نسبة الانكماش نحو 27% خلال العامين الماضيين. وانعكس هذا التدهور مباشرة على معدلات البطالة التي ارتفعت في الضفة الغربية إلى قرابة 30%. 

وأكد أن التوترات الإقليمية أسهمت في مزيد من التباطؤ في الدورة الاقتصادية والحد من النشاط الاقتصادي العام، ما ضاعف من حدة الأزمة مقارنة بما كانت عليه الأوضاع قبل الحرب.

وفي تحليله لأدوات الضغط، أوضح أبو غوش أن قضية العمال تندرج ضمن ما وصفه بـ”الحرب الاقتصادية” التي يشنها الاحتلال بهدف تجفيف مصادر السيولة النقدية في الاقتصاد الفلسطيني. فقد خسرت السوق الفلسطينية تدفقات مالية ضخمة كانت تُقدّر بنحو مليار ونصف المليار شيقل شهريًا، أي ما يقارب 18 مليار شيقل سنويًا من أجور العمال، إضافة إلى احتجاز أموال المقاصة، وفرض القيود الميدانية عبر الحواجز والبوابات التي أعاقت حركة الفلسطينيين والتسوق بحرية، ما خلق عوائق بنيوية أسهمت في خنق الاقتصاد المحلي.

واستبعد أبو غوش وجود مؤشرات قريبة على حدوث انفراجة اقتصادية في ظل غياب أي أفق سياسي، خاصة مع سيطرة اليمين المتطرف على الحكومة الإسرائيلية، والذي يتبنى أيديولوجيا تعتبر الأرض حقًا حصريًا للصهيونية الدينية وتسعى إلى إزاحة الفلسطينيين.

وختم بالتأكيد على أن الفائض الكبير في العمالة أدى إلى تراجع حاد في مستويات الأجور نتيجة انعدام الفرص البديلة، موضحًا أن نسبة العمال الذين ما زالوا يعملون داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة أو في المستوطنات لا تتجاوز 20% من حجم العمالة السابق، في حين أن 80% من العمال فقدوا فرص عملهم، ما يعني استمرار معدلات الفقر والبطالة المرتفعة حتى نهاية العام الجاري على أقل تقدير.

أحلام مؤجلة
وبينما يحاول الآباء تأمين احتياجات أسرهم اليومية وسط الغلاء وفقدان العمل، يجد آلاف الشبان الفلسطينيين أنفسهم عاجزين عن بناء مستقبلهم أو بدء حياتهم كما خططوا لها قبل الحرب.

في قرية طلوزة جنوب نابلس، يجلس الشاب يزن مكتوف اليدين، بعدما تبددت أحلامه بإتمام زواجه الذي كان يستعد له قبل اندلاع حرب الإبادة على قطاع غزة عام 2023. وكان يزن يعمل في مجال الديكور والدهان داخل حيفا لدى شركة عربية، ويتمتع بتأمين صحي ودخل ثابت، قبل أن يفقد عمله مع توقف تصاريح العمال الفلسطينيين عقب اندلاع الحرب.

يقول يزن: “حتى الآن لا أملك القدرة على تجهيز منزلي أو إتمام زواجي من الفتاة التي انتظرتني لسنوات، على أمل أن نعيش معًا تحت سقفٍ واحد”.

ويضيف: “المنزل لم يجهز بعد، فكل شيء يحتاج إلى المال، وفي الضفة الغربية لا توجد فرص عمل نتيجة الحواجز والتصعيد تزامنًا مع الحرب . كما أنني لا أستطيع الدخول بطرق غير قانونية خوفًا من الإصابة أو الاعتقال، فأترك خطيبتي وعائلتي بانتظاري لفترة أطول”.

ويوضح أن كل ما استطاع ادخاره خلال السنوات الماضية أنفقه على المتطلبات المتزايدة تزامنًا مع تراجع فرص العمل، ما جعله يبدأ من الصفر مجددًا، في ظل غياب أي مصدر دخل ثابت. 

اليوم، يجد يزن الذي يقترب عمره من الثلاثين نفسه عالقًا بين البطالة وتراكم التكاليف، شأنه شأن آلاف الشبان في الضفة الغربية الذين علّقت الحرب مستقبلهم الشخصي والمهني، وحوّلت أحلامهم البسيطة إلى مشاريع مؤجلة بانتظار انفراجة لا تبدو قريبة.

وبهذا السياق، أكد الباحث الاجتماعي أحمد أبو الهيجاء، أن انقطاع العمال عن وظائفهم أحدث أثرًا حادًا ومتعدد الاتجاهات على العلاقات الأسرية. 

وأوضح أن التواجد الدائم للرجل داخل المنزل تزامنًا مع تراجع الدخل والوضع المادي، بعد أن كان يقضي جل وقته في العمل، خلق احتكاكًا مستمرًا أدى إلى تصاعد الخلافات والمشاكل الزوجية بشكل غير مسبوق.

وأشار إلى أن عدد كبير من المقبلين على الزواج أُجلت مراسم زواجهم لعدم قدرتهم على دفع تكاليف الزواج التي أصبحت باهظة على شاب في مقتبل عمره.

وأضاف الباحث أن برامج الدعم النفسي رصدت هذه الإشكالات في مناطق عدة مثل جنين والأغوار، حيث وصلت الخلافات في بعض الحالات إلى حد العنف الجسدي والضرب، نتيجة عدم اعتياد الرجال على الجلوس الطويل في المنازل. كما أشار إلى تفشي ظاهرة “الطلاق الصامت”، حيث يعيش الأزواج برودًا عاطفيًا شديدًا وتوترًا مستمرًا تحت سقف واحد.

وقال أبو الهيجاء إن المتابعة الميدانية كشفت عن ارتفاع حاد في حالات الاكتئاب واضطراب ما بعد الصدمة بين الرجال، فضلاً عن بروز سلوكيات سلبية ناتجة عن الفراغ، مثل الجلوس الطويل على المقاهي، مما أدى إلى نوع من الاتكالية غير المفيدة في مواجهة الأزمة.

واختتم أبو الهيجاء موضحًا أن هذا التوتر يرتد مباشرة على الأبناء الذين يعانون نفسيًا ومعيشيًا؛ حيث اضطر بعض الأبناء لتأجيل دراستهم الجامعية، وذهب آخرون للمدارس بلا مصروف، متأثرين بتراجع حاد في قدرة العائلات على شراء اللحوم والفواكه والكماليات والأساسيات.

بين أرقام البطالة التي قفزت إلى مستويات غير مسبوقة وقسوة أكثر من ألف حاجز عسكري قطعت أوصال الضفة ، يجد جيل كامل من الشبان الفلسطينيين، مثل يزن، أنفسهم عاجزين عن بناء أبسط أحلامهم المؤجلة تحت سقف واحد. 

ومع كل يوم يمر دون حل، تزداد فاتورة الديون وتتراكم الخيبات، ليتحول منع العمل داخل الأراضي الفلسطينية إلى حصار ممتد لا يفرغ الجيوب فحسب، بل يسرق من شبان بعمر الورد شعورهم بالأمان، ويترك مستقبلهم معلقًا على حافة قلق لا ينتهي. 

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *