بين التضليل الممنهج والرقابة المنحازة: كيف تُحاصر الرواية الفلسطينية في الفضاء الرقمي؟

Posted by

رنا صلاحات

“ليس سهلاً ربما أن أغير الواقع، لكنني على الأقل كنت قادرة على إيصال ذلك الصوت إلى العالم” — بهذه القناعة مضت الصحافية الشهيدة شيرين أبو عاقلة في تغطية سنوات من الأحداث في الأراضي الفلسطينية المحتلة، مدفوعة بإيمانها بدور الصحافة في نقل الواقع كما هو، دون تزييف أو اجتزاء، قبل أن يُسكت رصاص الاحتلال صوتها إلى الأبد. لكن من لم يسقط بالرصاص، يُواجه اليوم أشكالًا أخرى من التقييد؛ إذ تتحول خوارزميات المنصات الرقمية، وعلى رأسها أنظمة “ميتا”، إلى أدوات صامتة لحجب رواية الفلسطيني، وتقليص مساحة ظهوره، ومعاقبة المحتوى الذي يُظهر ما يجري على الأرض.

هذا التصعيد في الرقابة الرقمية يشير إلى نمط متصاعد من التحيز الخوارزمي، حيث لا تقتصر القيود على الإشراف البشري، بل تتسرب إلى تصميم المنصات نفسها، ما يُسهم في تشويه الرواية الفلسطينية أو محوها كليًا. يؤكد نديم ناشف، مدير مركز حملة – المركز العربي لتطوير الإعلام الاجتماعي أن منصات مثل فيسبوك، وإنستغرام، ويوتيوب تمارس شكلاً ممنهجًا من الحذف والتقييد، حيث تمثل هذه الممارسات نحو 40% من الانتهاكات الرقمية المسجلة. منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية في غزة في أكتوبر 2023، تزايدت هذه التدابير بشكل لافت، متخذة أشكالًا متعددة من الإقصاء الرقمي، مثل تعطيل الحسابات، الحظر الظلّي (shadowbanning)، والتضييق على الكلمات المفتاحية ذات الصلة بالقضية الفلسطينية.

ويضيف “هذا الوضع هو امتداد للضرر الواقعي، “إهانة تُضاف إلى الأذى”، إذ لا يقتصر الاستهداف على الأجساد أو الأرض، بل يمتد إلى الذاكرة الرقمية ومحاولة محو سرديات الضحايا، ولقد وثقنا أكثر من ثمانية آلاف حالة انتهاك رقمي للمحتوى المؤيد لفلسطين عبر مختلف المنصات، ما يعكس حجم التحدي الذي يواجهه الفلسطينيون في مجرّد إيصال صوتهم.”

ولم تقتصر هذه الانتهاكات على التوجهات العامة أو السياسات الخوارزمية، بل طالت الصحافيين\ات الفلسطينيين\ات على المستوى الفردي، ممن واجهوا استهدافًا مباشرًا لحساباتهم الشخصية التي يستخدمونها لنشر التغطيات الميدانية.

الصحافي حافظ أبو صبرة يروي تجربته مع هذا النوع من القمع الرقمي، بعد أن تعرّض حسابه للحذف المتكرر دون إشعار واضح:

الصحفي الفلسطيني بكر عبد الحق، يسجّل أيضًا تجربة شخصية مباشرة مع هذه الرقابة. وفي حديثه، يروي كيف واجهت منشوراته المتعلقة بتغطية استشهاد إبراهيم النابلسي حملة حذف وتقييد فورية من قبل “ميتا”، بمجرد الإعلان عن استشهاده:


بالمقابل، لا تُواجَه المنشورات التي تتضمن صور الجنود الإسرائيليين الذين يُقتلون خلال معارك غزة بالإزالة أو التقييد، رغم تضمن العديد منها تعليقات قومية أو دعائية.

امتدادًا لهذا النمط المتصاعد من الرقابة الرقمية، أظهر تقرير صادر عن “هيومن رايتس ووتش” دلائل واضحة على عدم اتساق سياسات الإشراف في شركة “ميتا”. فقد وثّق التقرير إزالة 1,049 منشورًا يتضمن محتوى سلميًا مؤيدًا لفلسطين بين أكتوبر ونوفمبر 2023، مقابل حالة واحدة فقط شملت إزالة منشور مؤيد لإسرائيل، من أصل 1,050 عملية إزالة موثقة.

يشير هذا الخلل في التطبيق إلى فجوة واضحة في معايير الحياد، حيث تُفرض القيود على المحتوى الفلسطيني بدرجة لا تقابلها معاملة مماثلة تجاه المحتوى التحريضي أو المنحاز ضده. بذلك، تتجاوز هذه المنصات دورها كوسيط معلومات محايد، لتصبح أداة إضافية في تقييد الحضور الرقمي للرواية الفلسطينية.

وهو ما جرى الكشف عنه في تحقيق مستقل صادر عن مركز حملة حول موافقة “ميتا” على نشر إعلانات مدفوعة تتضمن دعوات صريحة لارتكاب “هولوكوست بحق الفلسطينيين” وتصفية “نساء وأطفال وكبار السن من غزة”، دون أن يتم حظرها أو إزالتها بشكل فوري، كما أظهر التحقيق وثائق مسربة أن منصة إنستغرام شددت من رقابتها على تعليقات المستخدمين الفلسطينيين بعد أكتوبر 2023، في مؤشر إضافي على الاستهداف الانتقائي.

هذا التفاوت في المعاملة يمتد أيضًا إلى مستوى استجابة الشركة لطلبات الحكومات، فامتثلت “ميتا” لنحو 94% من طلبات الحكومة الإسرائيلية لإزالة محتوى منذ بدء الحرب على غزة، ما يجعل إسرائيل المصدر الأول عالميًا لمثل هذه الطلبات. وبالمقارنة، كانت نسبة الامتثال سابقًا 81% فقط خلال الفترة من يناير إلى يونيو 2020، عندما قدمت إسرائيل 913 طلبًا لحذف أو تقييد المحتوى عبر فيسبوك، ما يشير إلى نمط متصاعد من التعاون الرقمي مع السلطات الإسرائيلية، يُقابله تضييق متزايد على المحتوى الفلسطيني، بما يعمّق فجوة العدالة الرقمية ويضع حياد المنصات موضع تساؤل جوهري.

الأخطر من ذلك أن خوارزميات “ميتا” لا تبدو فقط متحيّزة في نتائجها، بل تشير تقارير إلى أنها أُعيدت برمجتها بشكل خاص لتضييق الخناق على المحتوى الفلسطيني. فوفقًا لصحيفة وول ستريت جورنال، خفّضت “ميتا” بشكل متعمد العتبة التي تسمح برصد التعليقات المخالفة لإرشادات المجتمع من 80% إلى 40% للمحتوى الصادر من منطقة الشرق الأوسط، وإلى 25% فقط عندما يتعلق الأمر بمحتوى قادم من فلسطين، وذلك بعد السابع من أكتوبر 2023.

في واحدة من أكثر الأمثلة وضوحًا، نشرت الطبيبة المصرية غادة صادق مقطع فيديو يُظهر طائرة إسرائيلية مسيّرة تستهدف شابًا، لكن فيسبوك سارع إلى حذف الفيديو خلال ساعات، وأوقف حسابها لمدة 24 ساعة بدعوى “مخالفة معايير المنصة”.

في المقابل، نشر الكاتب الإسرائيلي تسفي فيشمان منشورًا صرّح فيه: “لا يوجد مدنيون أبرياء في غزة”، مستشهدًا بالحاخام دوف ليئور، الذي دعا إلى إبادة مدن بأكملها بذريعة “حماية حياة الجنود الأميركيين”. ورغم أن هذا المنشور يُعدّ خرقًا مباشرًا لسياسات “ميتا” المتعلقة بخطاب الكراهية، لم تتم إزالته وظلّ متاحًا على المنصة، إلى جانب عينة من المنشورات التحريضية التي رصدناها عبر حسابات لمستخدمين إسرائيليين: 

وعلى الرغم من تزايد الأدلة التي تشير إلى تحيّز واضح في سياسات الحذف والتقييد، تواصل “ميتا” نفي أي رقابة متعمدة، مبرّرة قراراتها بأنها “أخطاء” ناتجة عن “وتيرة الحرب المتسارعة”. غير أن تقرير العناية الواجبة في مجال حقوق الإنسان الصادر عن مؤسسة BSR في عام 2022 أشار إلى أن “ميتا” تبنّت تاريخيًا نهجًا في الإشراف على المحتوى يفضّل حماية المستخدمين الإسرائيليين، ولو على حساب حقوق المستخدمين الفلسطينيين في التعبير والوصول.

هذه الممارسات لا تثير القلق فقط من منظور الأخلاقيات الصحفية أو العدالة الرقمية، بل بدأت تلفت انتباه خبراء القانون الدولي بوصفها انتهاكات محتملة لحقوق الإنسان، كما يُحظر التمييز والدعوة إلى العنف بوضوح في أطر حقوق الإنسان الدولية. فالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (ICCPR) ينصّ صراحة على حظر أي دعوة إلى الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية تمثل تحريضًا على التمييز أو العنف. كما تلزم الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري (ICERD) الدول بإدانة ومكافحة كافة أشكال التمييز العنصري.

في هذا السياق، تشير المحامية والناشطة الحقوقية ميناس كيلاني إلى أن سياسات “ميتا” تكرّس ما وصفته بـ”نظام مزدوج لحماية الخطاب”، حيث تُقمع الأصوات الفلسطينية بصورة منهجية، بينما يُسمح ببقاء خطاب عدائي يحضّ على العنف ضد الفلسطينيين. هذا التمييز يتناقض بوضوح مع المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، التي تضمن الحق المتساوي في حرية التعبير للجميع، وأضافت:

وتعزز آراء الخبراء القانونيين هذا الاتجاه المتنامي نحو مساءلة الشركات الرقمية، حيث تشير الخبيرة القانونية مروى فطافطة، من منظمة Access Now، إلى أن المنصات مثل “ميتا” لا يمكنها التملّص من مسؤولياتها القانونية والأخلاقية تحت مظلة الحياد التقني. فوفقًا للمبادئ التوجيهية للأمم المتحدة بشأن الأعمال التجارية وحقوق الإنسان، تُلزم الشركات باحترام حقوق الإنسان، حتى في غياب تدخل الدولة أو ضعف أنظمة الإنفاذ. 

وتؤكد فطافطة أن هذه الممارسات “تُشكّل شكلًا من أشكال الإزالة الرقمية القسرية، وقد تمثل انتهاكًا لعدة مواد من القانون الإنساني الدولي، خصوصًا خلال فترات النزاع المسلح، حيث يصبح التوثيق الرقمي أداة حاسمة للمساءلة”.

وعلى المستوى التقني، تتضح آليات هذا الانحياز أكثر، فبعد أكتوبر 2023، خفّضت “ميتا” عتبة اليقين اللازمة لـ”إخفاء” المحتوى من معيارها المعتاد البالغ 80% إلى 40% لعدة دول في الشرق الأوسط، ثم إلى 25% فقط عندما يتعلق الأمر بالمحتوى القادم من فلسطين. هذا التخفيض العمليّ في مستوى التأكد جعل الخطاب الفلسطيني المشروع يواجه حواجز أعلى بكثير للوصول والظهور مقارنةً بالمحتوى القادم من مناطق أخرى. يعلّق علي بيوك أصلان، عميد كلية الاتصال في جامعة إسطنبول ميديبول، بأن “منصات التواصل الاجتماعي تستطيع إزالة أي محتوى أو منشورات قد تزعجها أو تزعج حلفاءها، بالاحتماء بعبارة «إرشادات المجتمع» كمبرر”؛ وهي إرشادات تعمل فعليًا كآلية تقنية لقمع وجهات نظر بعينها.

التحيّز في الضبط الدقيق (Fine-tuning) وبيانات التدريب

تكشف الأسس التقنية لأنظمة الإشراف لدى “ميتا” عن انحيازات مضمّنة. فوفقًا لوثائق مُسرّبة، حذفت خوارزميات الشركة المصمّمة لاكتشاف “المحتوى الإرهابي” محتوى عربيًا غير عنيف بنسبة خاطئة وصلت إلى 77%، وهو معدل خطأ مرتفع بصورة استثنائية يطال مباشرة المستخدمين الفلسطينيين الذين يتواصلون في الغالب باللغة العربية. ويتجاوز هذا الخلل النصوص إلى توليد الصور بالذكاء الاصطناعي: فعلى تطبيق “واتساب”، عندما طُلب من النظام توليد صور مستخدمًا عبارات مثل “Palestinian” أو “Muslim boy Palestinian”، قدّم صورًا لأطفال يحملون السلاح، بينما أدت عبارات مثل “Israeli boy” إلى صور لأطفال يلعبون كرة القدم أو يقرؤون.

أنماط متكرّرة من الرقابة الخوارزمية على المحتوى الفلسطيني

تؤكد الأدلة تواصل أنماط الانحياز الخوارزمي ضد المحتوى الفلسطيني عبر الزمن. ففي 19 أكتوبر 2023، اضطرت “ميتا” للاعتذار بعد أن أضافت تلقائيًا كلمة “إرهابي” إلى ترجمات ملفات تعريف على إنستغرام تحتوي على كلمتَي “Palestinian” و”Alhamdullilah” (الحمد لله) إلى جانب رمز علم فلسطين. 

وبموازاة ذلك، حدّدت “هيومن رايتس ووتش” ستة أنماط متكررة من الرقابة غير المبررة، وقع كل منها ما لا يقل عن 100 مرة، تشمل: إزالة المحتوى، تعليق الحسابات، و”الحظر الظلي” (shadow banning) الذي يقلّص بشكل حاد من وصول المحتوى دون إخطار المستخدم. هذه الوقائع، مجتمعة، ترسّخ الدليل على أن التلاعب بـ”عتبات اليقين”، والانحياز في بيانات التدريب، والتطبيق الانتقائي للسياسات، تمثل جميعها بنية تقنية منظّمة تُفاقم من تهميش الرواية الفلسطينية رقميًا، وتحوّل الخطأ التقني المزعوم إلى نمط منهجي له آثار قانونية وحقوقية عابرة للحدود.

أمام هذه الأنماط المتكررة من الحذف والتقييد، يجد الصحفيون الفلسطينيون أنفسهم مضطرين للتكيف مع بيئة رقمية معادية. في هذا السياق، يوضح الصحافي بكر عبد الحق كيف باتت الرقابة الرقمية عائقًا يوميًا في عملهم، وكيف يحاول الصحافيون التحايل على خوارزميات الحذف ومواصلة إيصال الرواية رغم القيود التقنية المتزايدة.

بالرغم من الحيل والأساليب التي يبتكرها الصحافيون الفلسطينيون للتحايل على خوارزميات الحذف وتجاوز الرقابة، إلا أن هذه الجهود لا تحصّنهم بالكامل من القيود المستمرة والاستهداف الرقمي المنهجي.

الصحفي عمرو مناصرة مثال حيّ على ذلك؛ فبرغم محاولاته المتكررة لتفادي الانتهاكات التقنية، واجه محتواه تقييدًا مباشرًا وتراجعًا حادًا في الوصول، حتى عندما التزم بالمعايير المهنية الصارمة في تغطية الأحداث.

بالنسبة لعمرو والعديد من الفلسطينيين، الرقابة لم تتوقف عند حدود الحذف، بل تجلّت أيضًا في حملات علنية من التشويه والتحريض، حيث كان مناصرة أحد المستهدفين ضمن موجة الاتهامات التي روّجت لها حملات “Pallywood” و”Gazawood”، وهي أداة دعائية ممنهجة لتقويض مصداقية السردية الفلسطينية وتحويل الفلسطينيين من ضحايا وشهود إلى متهمين في الفضاء الرقمي.

حملات “Pallywood” و”Gazawood”

شهد استخدام مصطلح “Pallywood” تصاعدًا غير مسبوق منذ تصاعد العدوان الإسرائيلي على غزة في أكتوبر 2023، حيث ارتفعت الإشارات إليه على منصة “إكس” (تويتر سابقًا) بنسبة بلغت 5838% حتى منتصف يوليو 2024. وزاد الأمر حدّة مع بروز مصطلح آخر، “Gazawood”، الذي قفز بنسبة 29913% في الفترة ذاتها، في دلالة مقلقة على كيفية تأطير المعلومات المتعلقة بالصراع وإعادة تدويرها ضمن حملات تشويه ممنهجة.

نشأ مصطلح “Pallywood” في بدايات الانتفاضة الفلسطينية الثانية، وهو تركيب لغوي يجمع بين “Palestine” و”Hollywood”، ويُستخدم كاتهام ضمني بأن الفلسطينيين “يفبركون” مقاطع مصورة بهدف كسب التعاطف العالمي. وعلى خلاف كثير من المصطلحات السياسية التي يصعب تحديد مصدرها، فإن هذا الوصف المُهين يمكن إرجاعه إلى حادثة وشخص محددَين.

حادثة محمد الدرة: الشرارة التي أطلقت مصطلح “Pallywood”

في 30 سبتمبر/أيلول 2000، وثّق المصوّر الفلسطيني الحر طلال أبو رحمة لحظات مروّعة لطفل يبلغ من العمر 12 عامًا، محمد الدرة، أثناء اختبائه خلف كتلة خرسانية مع والده خلال تبادل لإطلاق النار بين القوات الإسرائيلية والمقاومين الفلسطينيين. أظهرت اللقطات – التي بثتها قناة France 2 الفرنسية – الطفل وهو يصرخ بينما يحاول والده حمايته، قبل أن يُصاب بالرصاص أمام عدسة الكاميرا.

هذه المشاهد المؤلمة سرعان ما تحولت إلى أيقونة إعلامية في العالم العربي، وظهرت لاحقًا على طوابع بريدية في عدد من الدول. وفي البداية، أقرّت إسرائيل بمسؤوليتها عن مقتل الطفل، لكنها عادت لاحقًا لتتراجع عن ذلك، مدعية أن تقرير France 2 احتوى على “أخطاء مهنية” وأثار “شبهات”. هذا الانقلاب الرسمي مهّد الطريق أمام ولادة رواية “Pallywood”، التي تُستخدم لاحقًا لتقويض مصداقية التغطية الفلسطينية واتهامها بالخداع والتضليل.

من هو ريتشارد لانديز وما الذي يدّعيه؟

ريتشارد لانديز هو مؤرّخ أمريكي وأستاذ سابق في جامعة بوسطن، متخصص في دراسات الفكر الميلياني خلال العصور الوسطى. في عام 2005، صاغ لانديز مصطلح “Pallywood” في سياق محاولته التشكيك في صدقية الروايات الإعلامية الفلسطينية، وخصوصًا ما يتعلق بحادثة مقتل الطفل محمد الدرة.

أنتج لانديز فيلمًا وثائقيًا عبر الإنترنت بعنوان “Pallywood: According to Palestinian Sources”، ركّز فيه على حادثة الدرة، لكنه لم يكتف بالتشكيك في صحة اللقطات المصورة، بل ذهب إلى حد الادعاء بأن “الواقعة بأكملها كانت مشهدًا تمثيليًا منظمًا من قِبل الفلسطينيين”، وحتى أن الطفل نفسه – بحسب مزاعمه – قد لا يكون قد قُتل أصلًا.

يُعرّف لانديز مصطلح “Pallywood” بأنه “مواد مُفبركة تُقدّم على أنها أخبار”، ووسّع لاحقًا نظريته لتشمل أحداثًا أخرى، مثل انفجار شاطئ غزة عام 2006، وادّعاءات بأن حركة حماس “استغلت أزمة الكهرباء” خلال حرب 2007-2008 مع إسرائيل، في محاولة – بحسب زعمه – للتلاعب بالتعاطف الدولي.

لماذا يعاود مصطلح “Pallywood” الظهور مع كل تصعيد في غزة؟

يُظهر تحليل بيانات “Google Trends” أن عمليات البحث عن مصطلح “Pallywood” تشهد ارتفاعًا ملحوظًا خلال فترات التصعيد العسكري في غزة، كما حدث في أعوام 2006 و2009 و2014. أما بعد السابع من أكتوبر 2023، استمر عدد مرات ذكر المصطلح بالازدياد، في دلالة على ارتباطه الوثيق بالأحداث الميدانية في فلسطين.

وفي دراسة تحليلية أجرتها منصة Logically Facts، تم تتبّع البيانات على فيسبوك ويوتيوب وتويتر ورديت بين 27 سبتمبر و26 أكتوبر 2023، وكشفت النتائج أن مصطلح “Pallywood” ذُكر أكثر من 146,000 مرة من قبل أكثر من 82,000 مستخدم فريد خلال فترة لا تتجاوز 20 يومًا. أما الدول التي شهدت أعلى نسبة استخدام للمصطلح فكانت الولايات المتحدة، تلتها الهند، ثم إسرائيل.

سام دوك، كبير المدقّقين في Logically Facts، أوضح أن “مصطلح ‘Pallywood’ غالبًا ما يُستخدم بالتزامن مع التصعيدات العسكرية للتشكيك في حجم الخسائر المدنية التي تنقلها المصادر الفلسطينية”. وأضاف: “رغم صعوبة إثبات علاقة سببية مباشرة، فإن البيانات تُظهر بوضوح كيف يُستدعى المصطلح لنزع المصداقية عن الرواية الفلسطينية في كل جولة قتال”.

لماذا تنامت قوة شبكة Gazawood منذ عام 2023؟

شهدت شبكة “Gazawood” التضليلية توسعًا لافتًا في تأثيرها منذ أكتوبر 2023، مدفوعة بعمل منسق عبر منصات متعددة تشمل حسابها الأساسي على منصة X، وموقع إلكتروني مخصص، وقناة عامة على تلغرام. كما تستند الحملة إلى شبكة من المؤثرين ذوي المتابعين الكُثر الذين يعيدون تضخيم رسائلها، ما يمنحها انتشارًا واسعًا يصعب تتبّعه أو تفنيده في الوقت الحقيقي.

لا تبدأ حملات “التفنيد” المضللة عادةً بفبركات صريحة، بل غالبًا ما تستند إلى صور أو مقاطع حقيقية تُقتطع من سياقها الأصلي، ما يجعلها أكثر إقناعًا وخطورة. على سبيل المثال، تعرّض المدوّن الفلسطيني صالح الجعفراوي في نوفمبر 2023 لحملة اتهامات كاذبة بأنه “ممثل أزمات” يتظاهر بالإصابة. وقد ساهمت شخصيات بارزة—منها الحساب الرسمي لدولة الاحتلال على منصة X، والمعلق السياسي بن شابيرو—في تضخيم هذه المزاعم الزائفة.

الناشط الغزي محمود زعيتر تعرّض أيضًا لحملة اتهامات بعد انتشار مقطع يُظهره وهو يحمل ابنة أخته المصابة، حيث اتهمته حسابات مؤيدة لإسرائيل بـ”التمثيل” وتزييف المشهد. 

أسلوب آخر شائع في هذه الحملات هو إعادة تدوير لقطات من أحداث غير مرتبطة. خلال الحرب، انتشرت مقاطع تُنسب لغزة لكنها في الواقع تعود إلى كوارث طبيعية أو إلى الحرب السورية. في أكتوبر 2023، تم تداول فيديو على إنستغرام يدّعي أنه يُظهر “ممثلين فلسطينيين يخدعون العالم”، بينما كان المقطع في الحقيقة جزءًا من مشروع فيلمي قديم.

لماذا تنجح هذه الأساليب؟

هذه الحملات تستغل فراغ المعلومات الذي يصاحب الحروب المسلحة. كما تشير فاليري فيرتشافتر من مؤسسة بروكينغز، فإن انعدام المصادر الموثوقة يدفع الناس إلى البحث العشوائي عن أي محتوى، ما يجعلهم عرضة للمحتوى المضلل أو غير الدقيق.

كما أن “التجانس الاجتماعي”—أي انغلاق المجموعات على سرديات واحدة—هو المحرك الأساسي لانتشار هذا النوع من المحتوى. في ما يُعرف بـ”غرف الصدى”، يختار المستخدمون ما يتماشى مع قناعاتهم المسبقة ويتجاهلون ما يخالفها، فيما يُعرف بـالتحيّز التأكيدي.

وتزداد فعالية هذه الحملات عندما تكون المشاعر مشحونة بالصراع؛ فكلما تعمّق انحياز الفرد وشيطن الطرف الآخر، زادت قابليته لتصديق وترويج المحتوى الذي يعزز موقفه.

هذه الديناميكية تُظهر أن “التفنيد الزائف” ليس مجرّد خداع بصري، بل استراتيجية مدروسة في حرب سرديات تُدار باحتراف داخل الفضاء الرقمي.

إن توظيف مصطلحات مثل “باليوود” و”غزاوود” كسلاح دعائي يمثل تطورًا خطيرًا في حروب المعلومات، حيث يعيد تشكيل الفهم العالمي للصراع الفلسطيني–الإسرائيلي. وقد تتبعت هذه التحقيقات جذور هذه السرديات، بدءًا من شخصيات فردية مثل ريتشارد لانديز، وصولًا إلى شبكات تضليل منسّقة تضم شخصيات مثل إيدان كنوشين واللواء الإسرائيلي المتقاعد يوسي كوبرفاسر. ومنذ أكتوبر 2023، تضاعف تأثير هذه الشبكات بشكل هائل، حيث ارتفعت نسبة تداول هذه المصطلحات عبر المنصات الرقمية بآلاف النسب المئوية.

وعلى الرغم من ادعاء هذه الحملات فضح “فبركات” فلسطينية، تُظهر التحليلات الجنائية الرقمية أن 5.75% فقط من هذه “التفنيدات” المزعومة تستند إلى أدلة موثوقة. بينما يعتمد الجزء الأكبر منها على إخراج المحتوى من سياقه، أو تلفيق الاتهامات، أو الزعم بوجود “ممثلين في الأزمات”، بهدف تقويض مصداقية التوثيق الفلسطيني. هذه الممارسات لا تقتصر على تشويه الصورة، بل تزرع الشك الجماعي إزاء كل ما يصدر من غزة من صور أو روايات.

تلعب منصات التواصل الاجتماعي دورًا محوريًا في تفاقم هذا الواقع، إذ تتيح لهذه السرديات الانتشار بفعل خوارزميات غير شفافة وممارسات إشراف منحازة جغرافيًا. ويزيد من تعقيد المشهد انخراط وسائل الإعلام الغربية في التغطيات المضمونة “Embedded Journalism”، ما يحدّ من إمكانية التحقق المستقل، ويكرّس الرواية العسكرية على حساب المعاناة الإنسانية.

وتنعكس هذه الديناميكيات في آثار حقيقية تتجاوز حدود الإنترنت. إذ تساهم في تجريد الفلسطينيين من إنسانيتهم، وتُربك الاستجابة الإنسانية، وتُضعف التعاطف العالمي اللازم لأي مسار سلام. ورغم أن مؤسسات التحقق من المعلومات قد بدأت في التنسيق لمواجهة هذه السرديات، إلا أن المعركة لا تزال غير متكافئة، خاصة أمام محتوى عاطفي مكثف ينتشر داخل غرف صدى رقمية مغلقة.

في المحصلة، لا تُختزل “باليوود” في كونها مجرد سُبّة، بل هي أداة استراتيجية للمحو. فهي تُحوّل الحزن إلى موضع شك، والمعاناة إلى مشهد تمثيلي، والشهادة الحية إلى افتراء. وإن تُركت دون مساءلة، فإنها لا تهدد فقط مصداقية الإعلام والعدالة، بل تُقوّض أساس أي حقيقة مشتركة يمكن أن تُبنى عليها تسوية عادلة مستقبلاً.

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *