هل يتجه الأردن ليصبح مجتمعا بلا نقد؟

Posted by
أسامة الخطيب – بائع خضروات وفواكهة في أحد محلات العاصمة عمّان.

معهد الإعلام الأردني –  محمد الخرابشة/ أحمد النعيمات

في أحد المقاهي غرب العاصمة عمّان، يطلب شاب عشريني قهوته الصباحية، يخرج هاتفه المحمول، يفتح تطبيق “كليك”، وخلال ثوانٍ ينهي عملية الدفع، دون أن يلمس ورقة نقدية واحدة، خلفه مباشرة، يقف رجل خمسيني يفتش في جيبه عن بضعة دنانير “كاش”، قبل أن يسأل البائع مبتسما: بتقبل كاش ؟

ويعكس توسع الاعتماد على وسائل الدفع الإلكتروني تدريجيًا  في الأردن وتراجع استخدام النقد  تحولا متسارعًا في سلوك المجتمع، في وقت تتسارع فيه خطط التحول الرقمي المالي في المملكة. فخلال 10 سنوات انتقلت تطبيقات الدفع الإلكتروني من خدمات محدودة الاستخدام إلى جزء أساسي من الحياة اليومية للأردنيين، سواء في دفع الفواتير، أو تحويل الأموال، أو التسوق، أو حتى شراء الخضار والقهوة.

وبين مؤشرات النمو المتسارعة لأنظمة الدفع الرقمية، وتخوفات بعض المواطنين من الاعتماد الكامل على التكنولوجيا، يبرز سؤال بات يُطرح بقوة: هل يقترب الأردن فعلًا من أن يصبح مجتمعًا بلا نقد؟

قفزة كبيرة في المعاملات الرقمية

وأشارت بيانات الشركة الأردنية لأنظمة الدفع والتقاص (جوباك)، أن الأردن يشهد نموا متسارعا في استخدام وسائل الدفع الإلكتروني، مدفوعًا بانتشار الهواتف الذكية، وتوسع الخدمات الرقمية، وتغير سلوك المستهلكين بعد جائحة كورونا، لتصل قيمة المعاملات الرقمية في المملكة على مدار 4 سنوات الماضية لتصل إلى قرابة 93 مليار دينار.

امتداد لتفاصيل الحياة اليومية

ولم يعد استخدام الدفع الإلكتروني مقتصرا على التحويلات البنكية فقط، بل امتد إلى تفاصيل الحياة اليومية، من دفع أجور المواصلات، وتسديد الفواتير، إلى شراء الطعام والتسوق وحتى التبرعات.

الطالب الجامعي محمد العواملة يقول إنه أصبح يعتمد بشكل شبه كامل على التطبيقات المالية، مضيفا أن المصروف اليومي أصبح يأتيه من والديه “كليك”، وأصبح حمل النقد لديه نادرا. أما رانيا القضاة، وهي موظفة في القطاع الخاص، فتؤكد أن تطبيقات الدفع الإلكتروني وفّرت عليها وقتا وجهدا كبيرين، قائلة :”كل شيء صار من الموبايل، من الفواتير للتحويلات وحتى طلبات السوبرماركت”.

أصحاب محال: “الكاش كان إله طعم ثاني”

ورغم هذا التوسع، لا يخفي بعض أصحاب المحال التجارية شعورهم بالحنين إلى التعامل النقدي التقليدي، فداخل محل خضار في عمّان، يقف أسامة الخطيب خلف الميزان، يراقب الزبائن وهم يدفعون عبر الهاتف بدل الأوراق النقدية التي اعتاد عليها لسنوات طويلة.

صاحب محل خضار وفواكه أسامة الخطيب:الدفع الإلكتروني ليس مضمونا 100%

ويقول الخطيب إن حجم “الكاش” داخل السوق انخفض بشكل واضح خلال السنوات الأخيرة، مضيفا:”زمان كنت آخر اليوم أحس الحركة والرزقة بإيدي، أما الان أغلب الدفع إلكتروني، بصراحة بتحس إنه بركة المصاري خفت”.

وأكد الخطيب أنه يتعرض لبعض الأشكاليات المتعلقة بتكنولوجيا الدفع الإلكتروني، قائلا: “أحيانًا بتصير مشاكل بالنظام أو الإنترنت، وبنضل نستنى التحويل يوصل أو التطبيق يعلق، يعني بالنهاية مش مضمون 100%”.

ويشير إلى أن بعض الزبائن يفضلون الدفع الإلكتروني لعدم حمل النقد، لكنه يرى أن الاعتماد الكامل على التكنولوجيا “مقلق”، خصوصًا في الأعمال اليومية الصغيرة.

أما حمزة الغراغير، وهو صاحب سوبرماركت في منطقة صويلح  فيقول إنه ما يزال يفضّل النقد على التطبيقات الإلكترونية، مشيراإلى أن توفير خدمة الدفع الإلكتروني أصبح ضرورة ومتطلب للعمل وبدونه يخسر الزبائن. وأشار إلى أن حجم المبيعات النقدية تراجع بنسبة وصلت إلى 70% تقريبا، مقارنة بأعوام سابقة، مؤكدا أن ذلك سبب له بعض الإشكاليات المتعلقة بسداد الفواتير وخصوصا التي لا يمكن سدادها إلكترونيا مع بعض التجار.

صاحب سوبر ماركت حمزة الغراغير: تراجع البيع نقدا بنسبة 70%

الأردن يعيش تحولا تدريجيا في الثقافة المالية

ويرى مختصون أن الأردن يعيش تحولًا تدريجيًا في الثقافة المالية، خاصة لدى الأجيال الشابة التي باتت تعتبر الهاتف المحمول “محفظة مالية متنقلة”.

وقال الخبير المصرفي عدي الدلاهمة إن التطور الحالي في أنظمة الدفع الإلكتروني يعكس تغيرًا حقيقيًا في سلوك المستهلك الأردني.

وأضاف أن انتشار تطبيقات التحويل الفوري والمحافظ الإلكترونية ساهم في تقليل الاعتماد على النقد، خاصة بعد جائحة كورونا التي دفعت الناس نحو استخدام وسائل دفع غير تلامسية.

وأكد الدلاهمة أن التحول الرقمي المالي يحمل فوائد اقتصادية عديدة، أبرزها تعزيز الشفافية المالية، وتقليل الاقتصاد غير المنظم، والحد من التهرب الضريبي، إضافة إلى تسهيل العمليات التجارية اليومية، مشيرا إلى أنه في الوقت ذاته لانتقال الكامل نحو مجتمع لا نقدي ما يزال يحتاج إلى وقت. وقال: الأردن قطع شوطًا مهمًا، لكن ما تزال هناك تحديات تتعلق بالبنية التحتية الرقمية، والثقافة المالية، ومدى جاهزية جميع فئات المجتمع.

تعزيز الشمول المالي

وتشير بيانات مرتبطة بقطاع الدفع الإلكتروني في الأردن إلى ارتفاع ملحوظ في استخدام النساء للمحافظ الإلكترونية خلال السنوات الأخيرة، حتى أصبحت النساء يشكلن قرابة 36% من مستخدمي المحافظ الإلكترونية في بعض الفترات، بحسب بيانات “جوباك” في مؤشر يعكس توسع مشاركتهن في الاقتصاد الرقمي.

ويؤكد عدي الدلاهمة أن التكنولوجيا المالية ساهمت في رفع نسب الشمول المالي في الأردن مقارنة بسنوات سابقة، خاصة بين النساء والشباب.

وقال إن التطبيقات الرقمية خففت الحواجز التقليدية أمام استخدام الخدمات البنكية، وفتحت المجال أمام كثير من السيدات لإدارة أعمال صغيرة واستقبال المدفوعات إلكترونيًا بسهولة أكبر.

مخاوف الأمن السيبراني

ومع تزايد استخدام التطبيقات المالية، ارتفعت أيضًا المخاوف المتعلقة بالأمن السيبراني، خصوصًا مع انتشار عمليات الاحتيال الإلكتروني والرسائل الوهمية التي تستهدف المستخدمين.

وقال رئيس قسم التحقيق الفني في وحدة الجرائم الإلكترونية، الرائد مصعب الرحاحلة، إن فكرة الانتقال نحو مجتمع غير نقدي في الأردن لم تعد طرحاً نظرياً، بل أصبحت واقعاً يتسارع مع توسع البنية التحتية للدفع الإلكتروني واعتماد المواطنين على التطبيقات البنكية والمحافظ الرقمية في عملياتهم اليومية، بدءاً من التسوق وحتى دفع الفواتير والخدمات.

وأوضح الرحاحلة أن هذا التحول، رغم إيجابياته الكبيرة في تعزيز الشمول المالي وتقليل كلفة تداول النقد والحد من بعض أشكال الجرائم التقليدية المرتبطة به، إلا أنه يفتح في المقابل باباً واسعاً لأنماط جديدة من الجرائم الإلكترونية التي تتطلب يقظة دائمة وتحديثاً مستمراً لأدوات الحماية والاستجابة.

وأشار إلى أن أبرز التحديات في المرحلة الحالية تتمثل في أساليب الاحتيال الإلكتروني التي تستهدف المستخدمين عبر الروابط الوهمية، أو انتحال صفة جهات مالية ورسمية، أو اختراق الحسابات في حال ضعف الوعي الأمني الرقمي لدى المستخدمين، مؤكداً أن العامل البشري يبقى الحلقة الأضعف في منظومة الأمن السيبراني.

ولفت الرحاحلة إلى أن وحدة الجرائم الإلكترونية تعمل على مدار الساعة لرصد وتتبع هذه الأنماط، والتعامل مع البلاغات الواردة، إضافة إلى تنفيذ حملات توعوية بالتعاون مع البنوك والجهات الرسمية لتعزيز ثقافة الاستخدام الآمن للخدمات المالية الرقمية، مبيناً أن الوصول إلى مجتمع أقل اعتماداً على النقد يتطلب توازناً دقيقاً بين التطور التقني وحماية المستخدمين من المخاطر المحتملة.

ويعيش المجتمع الأردني مرحلة انتقالية بين عالمين عالم النقد التقليدي الذي ارتبط لسنوات طويلة بثقافة البيع والشراء، وعالم التكنولوجيا الذي يفرض نفسه بسرعة على تفاصيل الحياة اليومية. فالدفع الإلكتروني لم يعد مجرد خيار إضافي، بل أصبح جزءا من الحياة اليومية لملايين الأردنيين، إلا أن الوصول إلى مجتمع لا نقدي بالكامل ما يزال يحتاج إلى وقت، وثقة أكبر، وبنية تقنية وتشريعية أكثر شمولا، تضمن ألّا يترك هذا التحول أحدًا خلفه.

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *