المرضى النفسيون والجرائم.. قتلة أم ضحايا؟

Posted by

المرضى النفسيون والجرائم.. قتلة أم ضحايا؟

تقرير منال عمر وشريف شتيوي

مرحلة تنفيذ جدارية في عمّان ضمن حملة اهتم بالصحة النفسية Artmejo©

في السادس من أيار الماضي، أعلن الأمن العام عن توقيف شاب يُشتبه بقتله شقيقته في منطقة شفا بدران، وبحسب مصدر مطلع على الحادثة فإن الضحية تلقت أكثر من 03 طعنة.

“قبل أيام كانت خايفة إنه يقتلها، كان يحكيلها في جن بيسكن جسدها ويكبّر بالبيت ويحط قرآن، نقلوه على المركز الوطني للصحة النفسية لتقييم حالته، بعدين طلّعوه، وبنفس اليوم قتلها” يقول المصدر الذي فضّل عدم ذكر اسمه.
مضيفًا أن المشتبه به يعاني من اضطراب ثنائي القطب، وسبق له أن قتل والدته، ونُقل إلى مستشفى المركز الوطني للصحة النفسية (الفحيص) بعد ثبوت عدم أهليته نتيجة الإضطراب.

واقعة القتل هذه أتت بعد سلسلة من الجرائم التي ربطها الرأي العام بالاضطرابات النفسية، ومنها جريمة قتل أب لأطفاله الثلاثة في الكرك، وقتل شاب لأستاذه أيضًا في الكرك، وقتل شاب لوالدته باستخدام عصا جنوبي العاصمة.

تفرض هذه الجرائم تساؤلا جوهريا حول دقة الربط المجتمعي بين الاضطراب النفسي والسلوك الجرمي، واستخدام المرض لتبرير القتل مع إغفال الدوافع العميقة التي تؤدي إلى العنف والقتل في المجتمع.

العلم والأطباء يبرؤون المرضى 

يوضح استشاري الطب النفسي ورئيس قسم الطب النفسي في مستشفى الجامعة الأردنية الدكتور رضوان بني مصطفى أن نسبة الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات ذُهانية ،مثل اضطراب الفصام أو ثنائي القطب، يمكن أن تؤدي إلى ارتكاب جرائم لا تتعدى 3% من سكان العالم وبالتالي فإن 79% من السكان ليس لديهم أي اضطرابات نفسية يمكن أن تؤدي إلى جرائم. 

في الولايات المتحدة، تستشهد الجمعية الأميركية لعلم النفس بدراسات وآراء لخبراء في الصحة النفسية، ترى أن ربط الأمراض النفسية بارتكاب الجرائم مجرد “خرافة”.
محليًا، يُقدّر رئيس جمعية الأطباء النفسيين علاء الفروخ أن نسبة انتشار الاضطرابات الذهانية وتحديدا الفُصام العقلي لا تتعدى 1% من السكان.

يوضح الفروخ أن الثقافة المجتمعية المغلوطة ساهمت بتصوير المرضى النفسيين على أنهم فاقدون للأهلية والإدراك، موضحًا أن 09% من الأمراض النفسية لا تُفقد المرضى أهليتهم، مقابل 01% فقط قد تسلب المريض إرادته.

وتتوافق الرؤية الطبية لبني مصطفى والفروخ، مع بيانات التقرير الإحصائي الجنائي الصادر عن مديرية الأمن العام لسنة 5202، إذ سُجلت 28 جريمة قتل عمد وقصد في المملكة تلك السنة، ولم يرتبط معظمها بالأمراض النفسية.

بيد أن أستاذة علم الاجتماع والجريمة الدكتورة خولة الحسن، ترى بدافع الخلافات الشخصية مصطلحا فضفاضا قد يحمل في طياته جرائم بدافع الاضطرابات النفسية، داعية إلى دراسة وتتبع العلاقة بين القاتل والمجني عليه لدراسة دوافع القتل مجتمعيًا.

مفارقة الإضطراب النفسي والسُكري

تعليقًا على جريمة شفا بدران تقول المحامية المختصة في قضايا الجنايات لين خياط إنه إذا تبين أن المشتبه به كان تحت تأثير الاضطراب، فالأطباء الذين أشرفوا على تقييم حالته النفسية سيتحملون مسؤولية خروجه من المستشفى قبل وقوع الجريمة.

يؤكد مدير المركز الوطني للصحة النفسية الدكتور محمد الطعاني، أن المشتبه به راجع المركز فعلا قبل الجريمة، وظلّ تحت المراقبة لقرابة ثلاثة أسابيع، وتقرر إخراجه بعد تلقيه العلاج الكامل، مشيرا إلى أنه لم يتم بعد إحالته من الإدعاء العام أو المحكمة إلى المركز بعد قتله لشقيقته*.

يمكن للأشخاص الذين يعانون من اضطرابات ذهانية أن يمارسوا حياتهم بشكل شبه طبيعي مع العلاجات الدوائية، إلا أن التوقف عن أخذ العلاج الدوائي قد يسبب انتكاسة تسفر عن سلوكيات غير سوية بحسب بني مصطفي. 

تشير المحامية خياط إلى أن ارتكاب الجرائم تحت تأثير الاضطرابات النفسية يعتبر شكلا من أشكال عيوب الإرادة وبالتالي ينتفي القصد المعنوي ويُحكم مرتكبوها بعدم المسؤولية، إلا أن المحكمة تقرر وضعهم في أحد مستشفيات المركز الوطني للصحة النفسية للعلاج، حتى يصل للمحكمة تقرير من لجنة طبية بخمسة أعضاء بأن هؤلاء لا يشكلون خطرا على المجتمع بعد تلقي العلاج.

ويُفسر الطبيب رضوان بني مصطفى الأنماط التي ترافق الجرائم المرتبطة بالاضطرابات النفسية، قائلا إن مرتكبيها تحت تأثير الأوهام والهلاوس أو الاكتئاب الشديد غالبًا لا يرون أن فعلهم خاطئ، لذا يُلقى عليهم القبض في معظم الأحيان في مكان الجريمة دون إخفاء السلاح.

“الجرائم التي تقترف بسبب الاضطرابات النفسية ليس لها أهداف واضحة، بمعنى ليس هناك مصلحة للمريض بموت الضحية” يضيف بني مصطفى.

في تشرين الأول من عام 4202، انشغل الرأي العام الأردني بجريمة قتل أستاذ جامعي في الكرك، على يد أحد طلبة جامعة مؤتة، وأثيرت حينها روايات عن سيرة مرضية نفسية للجاني وأنه ضرب والديه قبل أيام من الجريمة.

في 02 أيار من العام الجاري، أصدرت محكمة الجنايات الكبرى قرارا بالإعدام شنقا حتى الموت للشاب بتهمة القتل العمد. 

توضح خياط أن الحكم بإعدام الطالب يشير إلى أنه لدى إخضاعه للرقابة الكافية تبين أنه غير مصاب بأي مرض نفسي يؤثر على إرادته عند ارتكاب الجريمة وأن لدى مثوله أمام الهيئة الحاكمة كان قادرًا على تلقي إجراءات التقاضي،  وبالتالي ارتكب الجريمة بوعيه وإدراكه.

بدورها تحذر الرئيسة التنفيذية لجمعية معهد تضامن النساء الأردني المحامية إنعام العشا من خطورة استخدام ذريعة الاضطراب النفسي في القضايا الجنائية دون الاستناد إلى إجراءات قانونية وعلمية واضحة، مؤكدة أن هذا يشكل اعتداءً على حقوق الضحايا، ويمس بمفهوم العدالة وأمن المجتمع.

اللجوء إلى التبريرات النفسية يستخدم كأداة للإفلات من العقاب أو لتخفيف الأحكام القضائية بحسب العشا التي تعتبر هذا التفسير يحمل بُعد تبريري للمجرم، مما يؤدي إلى نوع من التواطؤ على حساب الضحية.

يقول بني مصطفى إن “اضطراب الشخصية” عادة ما يستخدم لتبرير بعض جرائم القتل، إلا أن هذه الاضطرابات لا تُذهب العقل، وإنما تضعف سيطرة الإنسان على سلوكه، مبينا أن الغالبية العظمى من الجرائم تقترف من أشخاص بعمر العشرين ويعانون من اضطرابات الشخصية وهو ليس اضطراب نفسي وإنما “اضطراب نمائي” كالشخصيات العدوانية، أو الخجولة، أو الانطوائية، أو ضد الاجتماعية وهم فئة تستطيع تمييز الأفعال الصحيحة من الأفعال الخاطئة.

من جانبها توضح الحسن أن غياب المعايير والوسائل المشروعة لتحقيق أهداف الفرد في المجتمع والوصول إلى الطموحات يؤدي إلى اضطرابات اجتماعية، تزيد من حالات التفسخ والخلل في العلاقات ينتج عنها زيادة في حالات العنف والقتل، مبينة أن عدم الوعي في حالة التفسخ الاجتماعي، والمشاعر الاجتماعية السلبية تدفع بالمجتمع إلى ربط الإجرام بالاضطرابات النفسية.

علاج في السجون

ترى المحامية لين خياط أن “أكبر عائق يواجه عملية التقاضي في السنوات الأخيرة، يتمثل بعدم وجود أسِرَّة كافية في مراكز الصحة النفسية التابعة لوزارة الصحة ما يؤدي إلى وضع بعض المرضى في مراكز الإصلاح والتأهيل، مع إعطائهم علاجات دوائية محدودة، لحين توفر مكان لهم في مراكز الرعاية النفسية التابعة للوزارة”.

“بعض المتهمين يتأخر إخضاعهم للرقابة الطبية القضائية لمدة تصل في بعض الأحيان إلى 9 أشهر من تاريخ قرار المحكمة بالإحالة” تقول خياط.

وتضيف، أن هذه اللوجستيات تؤدي في كثير من الأحيان إلى التأخر في الفصل بالقضية وبالتالي إظهار الحقيقة للرأي العام، ووصول الشخص الذي يعاني من اضطراب نفسي إلى الراحة التي تمكنه من الحصول على التأهيل النفسي المطلوب.

ويؤكد الطعاني معاناة المركز الوطني للصحة النفسية من أزمة الأسِرَّة، مشيرا إلى أن القسم القضائي المخصص للمرضى الذين ارتكبوا الجرائم، يضم حاليا أكثر من 011 أشخاص، ما يفوق قدرته الاستيعابية.

“نضطر في هذه الحالة لوضع مرضى ارتكبوا جرائم في القسم المدني من المركز تحت حراسة أمنية” يقول الطعاني.

تظهر بيانات المركز أن السعة السريرية لمستشفى المركز والأقسام التابعة له بلغت 854 سريرًا عام 5202 في حين بلغ إجمالي عدد مراجعي المركز في ذلك العام 03642 شخصًا، كما وتبين الأرقام أنه رغم ارتفاع أعداد المراجعين للمركز وأقسامه بين عامي 2202 – 5202 إلا أن عدد الأسِرَّة بقي ذاته خلال هذه السنوات.

هذا الضغط الهائل ينطبق أيضًا على مركز الكرامة للتأهيل النفسي (مستشفى الكرامة)، وهو أحد الأقسام المدنية التابعة للمركز والذي يستقبل حالات قضائية بسبب الاكتظاظ، إذ استقبل عام 5202 نحو 49971 شخصًا في حين بلغ عدد الأسرة فيه 751 سريرًا، ورغم أن مراجعي العيادات الخارجية قد لا يحتاجون جميعاً إلى إقامة داخلية، إلا أن المقارنة بين التدفق وطاقة الاستيعابية تعكس عمق التحدي اللوجستي.

تقود بيانات الاكتظاظ السابقة إلى تقرير “أطلس الصحة النفسية لعام 2024” وهو أحد مشاريع منظمة الصحة العالمية والذي تعمل من خلاله المنظمة على تقييم وضع منظومات الصحة النفسية حول العالم، بالاعتماد على بيانات رسمية تجمعها من وزارات الصحة في مختلف الدول.

يؤكد التقرير أن الصحة النفسية ورغم اعتبارها مجالاً من مجالات الصحة العامة في العديد من الدول إلا أنها تعاني من نقص في الأولوية والتمويل والتقييم ما يؤدي إلى معاناة ونقص في الخدمات، وعدم مساواة. 

ففي إقليم شرق المتوسط تُظهر بيانات التقرير وجود نقص حاد في عدد الأسرة الإجمالي في مراكز الرعاية الصحية إذ أن هناك 8.5 سرير لكل 001 ألف نسمة، مقابل 5.76 سرير لكل 001 ألف نسمة في إقليم أوروبا.

هذا التباين الحاد يظهر أيضًا في تصنيف الدول حسب مستوى دخلها، والذي يعتمده البنك الدولي والتقرير، إذ تبين الإحصاءات تفوق الدول مرتفعة الدخل على جميع تصنيفات الدول الأخرى بفوارق كبيرة. 

في ظل هذه الأرقام، ترى منظمة الصحة العالمية الحل بتحمل المجتمع مسؤوليته في رعاية الأشخاص الذي يعانون من اضطرابات نفسية وذلك من خلال مفهوم “التحول نحو الرعاية المجتمعية” أو “إنهاء المأسسة”، الأمر الذي يحتم تغيير مكان وطريقة العلاج، فبدلا من الاعتماد المفرط على المستشفيات الصحية الكبيرة لا بد من توفير رعاية صحية نفسية موزعة ومدمجة في المراكز الصحية الأولية والمجتمعات.

وصمة العار.. العقبة الأولى

بحسب تقرير صادر عن منظمة الصحة العالمية بالتعاون مع المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان بعنوان “الصحة النفسية وحقوق الإنسان والتشريعات: التوجيه والممارسة”، فإن هناك وصمة عار، واسعة الانتشار ومتجذرة في المجتمعات وبمنظومة خدمات الصحة النفسية، تجاه الاضطرابات والمعاناة النفسية إذ دائمًا ما يُعتقد أن الأشخاص ذوي الإعاقات النفسية والاجتماعية عنيفون وخطرون، وهي صورة نمطية يتم تعزيزها باستمرار من قبل وسائل الإعلام ونتيجة لذلك، يتم التعامل مع الأشخاص الذين يعانون من حالات الصحة النفسية والإعاقات النفسية والاجتماعية بالخوف والتحقير، وقد يتعرضون لانتهاكات حقوق الإنسان.
وصمة العار المرتبطة بالمعاناة النفسية لا تقتصر على المجتمع فحسب وإنما تمتد لتشمل القوانين والتشريعات التي ورثتها الدول من مستعمرها الإنجليزي والفرنسي، ولا تزال هياكلها التشريعية الحديثة متأثرة بها بحسب التقرير.

ترى المحامية خياط أن خشية الأسر وتحديدا الأمهات من وصمة العار تعمّق أزمات أبنائهن النفسية، الأمر الذي يتفق معه الطبيب الفروخ، داعيا لـ”ثورة بيضاء” في قطاع الصحة النفسية.

جدارية ضمن حملة الصحة النفسية في عمان Artmejo©

تعزو المختصة في الإرشاد النفسي وسام أبو علي “تفشي وصمة العار” إلى مستوى التوعية المتدني في المجتمع بشأن الأمراض النفسية، فضلا عن افتقاد المدارس ومؤسسات سوق العمل للمختصين النفسيين القادرين على تحليل سلوك الأفراد وتقييم مدى الحاجة إلى تدخل علاجي دوائي. 

وتضع أبو علي وصمة العار في مقدمة تحديات قطاع الصحة النفسية في الأردن، منتقدة الثقافة المجتمعية الداعية لتجنب مراجعة الأطباء، إذ تلخص حجم الهوة بين العلم والمعتقدات المجتمعية، بأن أول نصيحة توجه للأسرة التي يُشتبه بإصابة أحد أفرادها باضطراب نفسي؛ “خذوه عند شيخ يقرأ عليه”.

م ٢ حزيران ٢٠٢٦*حتى تاريخ إجراء المقابلة يو

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *