هل تراجعت القراءة أم تغيّرت .. كيف أعادت التكنولوجيا تشكيل علاقة الأردنيين بالقراءة؟

Posted by

راما العمري وبيان أبو ديّة

صورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي

بعد يوم عمل طويل تقضيه بين الشاشات ومنصات التواصل الاجتماعي، تعود عائشة عمر إلى منزلها وهي تشعر باستنزاف ذهني يجعل من الصعب عليها الجلوس مع كتاب كما كانت تفعل سابقًا. فالهاتف لا يفارق يدها بحكم عملها كأخصائية مواقع اجتماعية، ومع الوقت بدأ الهامش الذي كانت تمنحه للقراءة يضيق شيئًا فشيئًا أمام المحتوى الذي تفرضه عليها طبيعة عملها.

كانت الروايات جزءً ثابتًا من حياة عائشة خلال سنوات الدراسة، إلا أن علاقتها بالقراءة لم تعد كما كانت. وتقول: لم تعد المشكلة في توفر الكتب، بقدر ما أصبحت في القدرة على التركيز والالتزام بالقراءة وسط حياة متسارعة ومحتوى عبر مواقع التواصل الاجتماعي لا ينتهي”. هذا الانطباع لا يتوقف عند عائشة؛ فالقارئة جنى هوارين ترى أن تغيّر عادات القراءة يرتبط أساساً بتغيّر طريقة استهلاك الأشخاص للمعلومة في العصر الرقمي، وتقول: “وتيرة الحياة صارت أسرع، وصبر الناس صار أقل، وتعودنا نأخذ المعلومة بدون أي جهد يُذكر”، لتلخص المشهد بعبارة حاسمة: الناس بطلت تقرأ.

تُظهر بيانات مكتبة عبد الحميد شومان ارتفاعًا متواصلًا في عدد الإعارات بين عامي 2019 و2025، إذ ارتفع إجمالي الإعارات من مستويات محدودة في بداية الفترة إلى أكثر من (140) ألف إعارة عام 2025. ويعكس هذا النمو زيادة الإقبال على استعارة الكتب خلال السنوات الأخيرة، مع استمرار الروايات والقصص في مقدمة التصنيفات الأكثر طلبًا، إلى جانب نمو ملحوظ في الإقبال على كتب علم النفس والخيال، ويشير ذلك إلى أنّ الاهتمام بالقراءة لم يتراجع، بل شهد توسعًا في حجم الإقبال وتنوعًا في الموضوعات التي يبحث عنها القرّاء.

تشير راية الكعابنة، أخصائية البرامج في المؤسسة، إلى أن تصدّر الروايات يعكس مكانتها الراسخة لدى القرّاء عبر الزمن، لأنها الأقرب إلى طبيعة الإنسان وميوله للقصص والتجارب الإنسانية المختلفة”، ويبيّن علي أبو هواش، أخصائي المكتبة في مؤسسة عبد الحميد شومان، أنّ هذا الصعود يترافق مع ارتفاع أعداد المشاركين في نوادي القراءة، حتى دون استعارتهم للكتب من المكتبة، وهو ما يعكس تغيراً في طرق الوصول إلى المحتوى. ويقول: “قد يقرأ المشاركون الكتاب إلكترونياً أو يستمعوا إليه صوتياً أو يتعرفوا عليه من خلال المراجعات، لكنهم يصلون في النهاية إلى النقاش نفسه، وهذا يشير إلى أن وسائل الوصول إلى المعرفة تغيرت، لا أن الاهتمام بها تراجع”.

“جيل الشاشات”: إقبال مكثف وتشتت مبكر

تشير دراسة “عادات القراءة في العصر الرقمي” المنشورة في مجلة Journal of Academic Library Management، إلى تزايد اعتماد الشباب على الوسائل الإلكترونية في القراءة، حيث تبيّن أن ما يقارب نصف المشاركين يفضلون القراءة عبر الهاتف، بينما جاءت الكتب المطبوعة في المرتبة الثانية. كما أظهرت الدراسة أن التكنولوجيا لم تُلغِِ القراءة، بل دفعت القرّاء إلى تبني وسائل جديدة للوصول إلى المعرفة، بما يتناسب مع أنماط حياتهم اليومية، ولا يقتصر ذلك على فئة معينة دون أخرى.

وعلى الصعيد المحلي، تكشف البيانات الإحصائية لمكتبة درب المعرفة أنّ الفئات العمرية الأصغر سنًّا هي الأكثر إقبالاً على استعارة الكتب خلال السنوات الأخيرة، خصوصاً بين الأطفال واليافعين، لكن هذا الإقبال الكثيف يحمل مفارقة أخرى يوضحها أخصائي الأنشطة في درب المعرفة، أحمد عطروز؛ وبالرغم من تزايد الاستعارات، إلا أن هذا لا يعني بالضرورة تمت قراءتها. ويقول عطروز: “الأطفال اليوم مش أطفال، حركتهم قلّت وشرودهم واضح، ما بدهم يشاركوا بنادي الكتاب بس بدهم نشاط”. هذا الأمر يضعنا أمام معادلة صعبة بين ارتفاع معدل الاستعارة وغياب التفاعل الحقيقي والعميق داخل نوادي القراءة.

ورغم أن مظاهر التشتت تبدو أكثر وضوحًا لدى الفئات الأصغر سنًا، فإنها لا تقتصر عليهم. فعائشة، اعتادت إنهاء الكتب بشغف خلال سنوات الدراسة، تقول إن الحفاظ على التركيز أثناء القراءة أصبح أكثر صعوبة اليوم: “كل مرة بحكي هذا الكتاب رح أكمله فعلًا، بس برجع أبدأ كتاب جديد لأني أكون نسيت اللي قبله”.

تربط الأخصائية النفسية ميادة نصّار هذه التحولات بالتغيرات الأوسع في نمط الحياة الرقمي وسوق العمل، وتقول: “إنّ القراءة شأنها شأن سائر تفاصيل حياتنا التي تأثرت بطبيعة العصر كالطعام والحركة والتعلم وغيرهم، والموضوع هنا يبدأ بسوق العمل لا بقدرتنا النفسية، فالكُتّاب والصحفيون وصنّاع المحتوى باتوا يقدّمون مواد مختصرة وسريعة بهدف جذب القرّاء والمهتمين”.

صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي توضّح التشتت أثناء القراءة

وتشير نصّار إلى أن القراءة الطويلة تتطلب تتبعًا للأفكار وتفاعلاً ذهنيًا عاليًا من حيث النقد والتقييم والقدرة على رؤية الموضوع من زوايا مختلفة، بينما تساهم المقاطع القصيرة في إضعاف الانتباه لفترات طويلة. وتوضح أن المشكلة ليست في غياب الرغبة، بل في أننا عوّدنا أدمغتنا على الحصول على المعلومات بسرعة وإثارة مستمرة، ما يجعلنا نضجر من الأنشطة التي تتطلب صبرًا وتركيزًا كالقراءة.

وتضيف أنّ هذا يفسر الإقبال المتزايد على كتب علم النفس بعد جائحة كورونا، حيث دفعت فترات الإغلاق والعزلة الكثيرين للبحث عن تفسيرات لمشاعر القلق والتوتر التي مروا بها، ما انعكس مباشرة على نوعية الكتب التي اتجهوا لقراءتها.

الكتب الصوتية والإلكترونية… قراءة تناسب إيقاع الحياة السريع

وسط هذا الاختلاف بين الرقمي والورقي، تمثل تجربة نور العاصي اتجاهاً معاكساً يتمسك بالكتاب التقليدي. فقد اعتمدت خلال العام الماضي على القراءة عبر “الآيباد” مستفيدة من سهولة الوصول إلى الكتب وتحميلها في أي وقت، وتقول: “كنت أشوف الموضوع أوفر وأسهل… أي كتاب بدنا إياه مننزله وبنقرأه مباشرة”.

لكن بعد أشهر من القراءة عبر الشاشة، وجدت نفسها تعود تلقائياً إلى الورق. وتضيف: “جاي عبالي أمسك قلم وأخربش وأسمع صوت الورق… حسيت إن الصفنة بالكتاب مختلفة، الواحد مرات بيحتاج إشي ملموس قدامه”. بالنسبة لنور، لم يكن الأمر رفضاً للقراءة الرقمية بقدر ما كان حنيناً لتجربة القراءة التقليدية بكل تفاصيلها، في وقت يقضي فيه كثيرون جزءً كبيرًا من يومهم على الهاتف.

ورغم هذا التوسع الكبير في القراءة الرقمية، يندمج آخرون تماماً مع البدائل العصرية؛ بالنسبة لبشرى، لم تعد القراءة بالنسبة إليها مرتبطة بحمل كتاب في حقيبتها، ومع تغير نمط حياتها وزيادة الوقت الذي تقضيه في المواصلات، وجدت في الكتب الصوتية ملاذاً جديداً، تقول: “بالبداية كان الموضوع صعب جدًا وما كنت أقدر أركز، لكن اليوم صارت حصيلة قراءتي من الكتب الصوتية أكبر من القراءة الورقية”.

وهو تغيّر طال حتى العاملين في القطاع الثقافي نفسه؛ إذ تشير الكعابنة إلى أن القراءة الليلية أصبحت أكثر صعوبة بالنسبة لها قبل سنوات بسبب جفاف العينين، ما دفعها إلى البدائل الصوتية، مؤكدة أن انتشار البودكاست وملخصات الكتب على يوتيوب يبين أن هناك جمهوراً متزايداً يستهلك المعرفة بطريقة سمعية أكثر من قبل.

وتتجسد حكايتيّ بشرى والكعابنة في أرقام منصة “وجيز” للكتب الصوتية وملخصات الكتب؛ حيث تذكر مديرة العمليات في المنصة، هديل هنديه، أن أرقام الاستماع عبر التطبيق شهدت نمواً ملحوظاً بين عامي 2023 و2024 ليصل إجمالي مستخدميه إلى نحو 6 ملايين مستخدم، وتشير هنديه إلى أن المستخدمين الأردنيين يشكلون نحو 30% من إجمالي مستخدمي التطبيق خلال آخر 30 يوماً من شهر حزيران الحالي.

توضّح هنديه أنّ الأرقام تُظهر معظم مستخدمي المنصة يفضّلون الاستماع إلى الكتب والملخصات بدل قراءتها نصيًا، وهي خاصية أخرى يتيحها التطبيق، مستفيدين من أوقات القيادة أو المشي أو ممارسة الرياضة، وهو ما يشير إلى أن العلاقة مع الكتاب لم تختفِ بقدر ما انتقلت إلى أشكال أكثر انسجامًا مع إيقاع الحياة اليومية مع تصدر كتب تطوير الذات والروايات لقوائم المحتوى الأكثر استماعاً لديهم.

ولا يقتصر التغير في عادات القراءة على القرّاء وحدهم، بل يمتد إلى بعض الكتّاب أيضًا. فالكاتب العراقي أحمد عبد الكريم حسن يرى أن قيمة الكتاب في شكله أو وسيلة الوصول إليه، بقدر ما تكمن في قدرته على الوصول إلى القارئ والتأثير فيه، ويقول: “لا أمانع أن تُقرأ رواياتي بصيغة إلكترونية أو PDF، حتى لو كان ذلك على حساب جزء من الأرباح، فالأهم بالنسبة لي أن تصل إلى أكبر عدد ممكن من القرّاء.”

ويعكس هذا الموقف جانبًا من تبدل الأنماط التي يشهدها عالم النشر والقراءة، حيث باتت رقمنة الكتب تفتح أمام الكتّاب والقرّاء مسارات جديدة للوصول إلى الثقافة، بعيدًا عن الارتباط بالنسخة الورقية.

“مكتبة لكل بيت”.. أم كتابٌ لكل ألف بيت؟

في المقابل، تستمر المؤسسات الرسمية في محاولة تعزيز حضور الكتاب الورقي وتبقيها في متناول المجتمع؛ ومن أبرزها برنامج “مكتبة الأسرة” الذي أطلقته وزارة الثقافة الأردنية كأحد المشاريع الثقافية الوطنية الهادفة لتشجيع القراءة وتحقيق عدالة توزيع المكتسبات الثقافية في مختلف محافظات المملكة، من خلال توفير إصدارات متنوعة (الأدب، الفنون، العلوم، التراث، المعارف العامة، كتب الأطفال التكنولوجيا، الفلسفة، اليافعين، والدراسات الأردنية) بأسعار رمزية تتراوح بين 25 و35 قرشاً للنسخة الواحدة، وبحكم طبيعته كبرنامج ثقافي وطني، يفتح حجم الإصدارات تساؤلًا حول مدى قدرة هذه الأرقام على مواكبة أهداف البرنامج وشعاره “مكتبة لكل بيت”.

فبحسب إسلام أبو سالم، مديرة مديرية ثقافة محافظة العاصمة في وزارة الثقافة، يبلغ عدد الإصدارات ضمن برنامج “مكتبة الأسرة” 2000 نسخة لكتب الكبار، مقابل 4000 نسخة لكتب الأطفال، وتُوزّع عبر مراكز البيع في مختلف المحافظات.

لكن توفير الكتاب يظل جزءاً من المعادلة فقط، فبين شراء الكتاب وقراءته مسافة تتداخل فيها عوامل الوقت والتركيز. وهذا ما تعكسه تجربة عائشة، التي لا تزال تشتري الكتب بحماس كلما مرّت بمكتبة أو شاهدت عنواناً يثير اهتمامها، إلا أنّ كثيراً من هذه الكتب ينتهي على رفوف مكتبتها قبل أن تصل إلى صفحاته الأخيرة.

وهنا تفسر نصّار هذا السلوك بقولها: “شراء الكتاب يمنح الشخص شعوراً بأنه اقترب خطوة من المعرفة أو من النسخة التي يريد أن يكونها من نفسه، لكن امتلاك الكتاب لا يعني بالضرورة قراءته؛ وبين ضغوط الحياة اليومية وتعدد المشتتات الرقمية، يصبح من السهل شراء الكتاب وتأجيل قراءته إلى وقت يعتقد الشخص “وهميّاً” أنه سيكون أكثر ملاءمة”.

وبينما تشير بيانات مكتبة عبد الحميد شومان إلى ارتفاع الإعارات خلال السنوات الأخيرة، وتواصل وزارة الثقافة توسيع الوصول إلى الكتاب عبر برنامج “مكتبة الأسرة”، تكشف منصات الكتب الصوتية عن جمهور جديد يستهلك المعرفة بطرق مختلفة. وبين الكتاب الورقي والنسخ الإلكترونية والكتب الصوتية، تبدو القراءة اليوم أقل ارتباطًا بشكل واحد وأكثر ارتباطًا بحاجة الإنسان المستمرة إلى المعرفة، والسعي للوصول إليها كلٌّ بظروفه المناسبة، لم ينتهِ زمن القراءة كما يعتقد البعض، لكنه بالتأكيد لم يعد يشبه ما كان عليه قبل سنوات.

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *