بين 150 و290 دينارا : ماذا تكشف أسعار المنسف عن واقع المعيشة في الأردن؟

Posted by

د. عبير المحروق ومحمد الديري

 لمعهد الإعلام الأردني

على مدار السنوات الست عشرة الماضية، شهد الأردن تغيرات اقتصادية متسارعة انعكست بصورة مباشرة على حياة المواطنين اليومية، فمنذ العام 2010 وحتى العام 2026 ارتفع الحد الأدنى للأجور من 150 دينارا إلى 290 دينارا، في خطوة هدفت إلى تحسين دخل العاملين ومواكبة الارتفاع المستمر في تكاليف المعيشة، لكن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم هو: هل كانت الزيادة في الأجور كافية فعلا لمواجهة ارتفاع الأسعار؟

                للإجابة عن هذا السؤال، يمكن النظر إلى واحدة من أكثر الوجبات ارتباطاً بالحياة الاجتماعية والثقافية في الأردن، وهي المنسف، فالمنسف ليس طبقا تقليديا فحسب ، بل من الممكن أن يمثل مؤشرا اجتماعيا واقتصاديا يعكس التغيرات التي طرأت على أسعار عدد من السلع الأساسية في السوق الأردنية، وفي مقدمتها اللحوم والأرز والجميد .

                 وتكشف البيانات المتعلقة بأسعار هذه المكونات خلال الفترة الممتدة بين الأعوام 2010 و2026 أن تكلفة إعداد المنسف ارتفعت بشكل ملحوظ، الأمر الذي يفتح الباب أمام مقارنة مباشرة بين تطور الأجور وتطور تكاليف المعيشة .

الحد الأدنى الأجور خلال 16 عاما

   في العام 2010 كان الحد الأدنى للأجور في الأردن يبلغ 150 دينارا شهريا، وفي ذلك الوقت كان هذا المبلغ يمثل الحد الأدنى القانوني الذي يتقاضاه العامل الأردني في العديد من القطاعات .          

               لاحقا ، شهد الحد الأدنى للأجور عدة تعديلات متتالية رفعت قيمته تدريجيا حتى وصل إلى 290 دينارا عام 2026، وبحساب الفرق بين الرقمين يتبين أن الحد الأدنى للأجور ارتفع بمقدار 140 دينارا خلال ستة عشر عاما، أي بنسبة تقارب 93 في المئة .

                 يقول أحمد عوض مؤسس ومدير مركز الفينيق للدراسات الاقتصادية والمعلوماتية إ ن النظر إلى معدل الأجور بين عامي 2010 و 2016 يجد أن تلك الفترة شهدت ضغوطاً غير مسبوقة على المالية العامة نتيجة انقطاع الغاز المصري والارتفاع الحاد في كلف الطاقة، بالتزامن مع طفرة ديموغرافية مفاجئة جراء موجات اللجوء، مما دفع معدلات التضخم وتكاليف المعيشة (خاصة الإيجارات والسلع الأساسية) إلى مستويات قياسية تفوقت بمراحل على نمو الدخل .

.

             على الورق تبدو هذه النسبة كبيرة نسبيا، إذ تكاد تضاعف قيمة الحد الأدنى للأجور مقارنة بما كان عليه العام 2010، إلا أن تقييم هذه الزيادة لا يمكن أن يتم بمعزل عن التغيرات التي طرأت على أسعار السلع والخدمات الأساسية التي يعتمد عليها المواطن في حياته اليومية ، فالأجر لا يقاس بقيمته النقدية فقط إنما بقدرته على شراء السلع والخدمات، ولهذا السبب يعتمد الاقتصاديون على مفهوم القوة الشرائية، الذي يوضح كمية السلع التي يستطيع الفرد الحصول عليها مقابل دخله .

           تقول الدكتورة نهلة المومني مفوضة الحماية لدى المركز الوطني لحقوق الإنسان في إطار الحديث عن الحد الأدنى للأجور أنه  لا بد من التطرق إلى الحق الذي يشكل المظلة العامة لهذه المسألة في  المعايير الدولية لحقوق الانسان وهو الحق في العمل؛ ذلك أن الحق في العمل ينطوي على عدة معطيات يتوجب تحقيقها حتى يكون لدى الانسان القدرة على التمتع به ، وهذه المعطيات عديدة ومنها شروط العمل اللائق والسلامة المهنية والحق في تأسيس النقابات وغيرها ، ولكن يأتي في مقدمة هذه المعطيات ما يتعلق بالأجور والتي يتوجب وفق الاتفاقيات الدولية لحقوق الانسان وأبرزها العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية،،، وكذلك وفقا لاتفاقيات منظمة العمل الدولية يتوجب أن يواكب هذا الأجر التطورات الاقتصادية، وأن يعمل على ضمان تمتع الافراد بمستوى معيشي ملائم.


المنسف كمؤشر على تكاليف المعيشة

             عندما يجتمع الأردنيون في الأفراح أو المناسبات الوطنية أو العائلية، غالبا ما يكون المنسف حاضرا باعتباره طبقا يرتبط بالهوية والتراث والكرم الاجتماعي ، لكن هذه الوجبة التي اعتاد الأردنيون إعدادها لم تعد تكلف اليوم ما كانت تكلفه قبل سنوات طويلة، فالبيانات تشير إلى ارتفاع مستمر في أسعار مكوناتها الرئيسية، هذا الأمر الذي جعل تكلفة إعدادها أعلى بشكل ملحوظ .

              وبما أن المنسف يجمع بين اللحوم والأرز والجميد، فإن تتبع أسعار هذه المكونات يمنح صورة واضحة عن التحولات التي شهدتها الأسواق الأردنية خلال السنوات الماضية .

 اللحوم :  القفزة الأكبر

           تشير البيانات إلى أن متوسط سعر كيلو اللحمة الحمراء في عمّان بلغ نحو 7 دنانير عام 2015، قبل أن يرتفع إلى 9.6 دينار في العام التالي، ورغم تسجيل بعض الانخفاضات خلال عدد من السنوات اللاحقة، فإن الاتجاه العام بقي تصاعديا ، لتصل الأسعار إلى 12 دينارا للكيلوغرام الواحد عام 2026.

           وتعد اللحوم المكون الأعلى تكلفة في المنسف، ولذلك فإن أي زيادة في سعرها تؤثر بصورة مباشرة على التكلفة النهائية للوجبة ، إذ يرتبط هذا الارتفاع بعدة عوامل، من بينها ارتفاع أسعار الأعلاف، وتكاليف النقل والشحن، والتغيرات التي شهدتها الأسواق العالمية خلال السنوات الأخيرة، إضافة إلى ارتفاع تكاليف التربية والإنتاج .

وبالنسبة للمستهلك، فإن ارتفاع سعر كيلو اللحم يعني أن جزءا كبيرا من دخله سيتم إنفاقه لتغطية النفقات الغذائية مقارنة بما كان عليه الحال قبل سنوات .

الأرز : ارتفاع تدريجي ومستمر

لم يكن الأرز بعيدا عن موجة الارتفاعات السعرية التي شهدتها الأسواق ، ففي العام 2012 بلغ متوسط سعر الكيلو نحو 0.88 دينارا ، ثم ارتفع تدريجيا خلال السنوات اللاحقة ليصل إلى نحو 1.30 دينارا عام 2026.

            ورغم أن قيمة الزيادة تبدو أقل من الارتفاع المسجل في اللحوم، إلا أن الأرز يعد من السلع الأساسية التي يتم شراؤها بشكل متكرر وبكميات كبيرة، ما يجعل أثر أي زيادة في سعره ملموسا لدى الأسر، كما أن الأرز من السلع المرتبطة بالاستيراد العالمي، وهو ما يجعله عرضة للتأثر بأسعار الشحن وسلاسل التوريد والتقلبات التي تشهده الأسواق الدولية .

الجميد، مكون التراث الذي تضاعف سعره


            أما الجميد، العنصر الذي يمنح المنسف نكهته الخاصة، فقد سجل هو الآخر ارتفاعات متتالية خلال السنوات الماضية، فبعد أن كان متوسط سعر الكيلو بحدود 7 دنانير في بداية العقد الماضي، ارتفع تدريجيا حتى وصل إلى نحو 14 دينار خلال الفترة الممتدة بين 2024 و2026، وبذلك يكون سعر الجميد قد تضاعف خلال ستة عشر عاما .

               ويعكس هذا الارتفاع حجم الضغوط التي واجهها قطاع الثروة الحيوانية، خاصة في ظل ارتفاع أسعار الأعلاف والطاقة والنقل، وهي عوامل أساسية تدخل في إنتاج الحليب ومشتقاته.

ماذا حدث لتكلفة المنسف ؟

عند جمع تأثير الارتفاعات التي طالت اللحوم والأرز والجميد، تظهر النتيجة بوضوح في الكلفة الإجمالية لإعداد المنسف . فبحسب البيانات، بلغت تكلفة إعداد منسف متوسط الحجم عام 2010 نحو 35 دينارا، بينما وصلت في عام 2026 إلى 57.6 دينار، دون حساب التكاليف الثانوية التي تقدم مع الطبق الرئيسي .

وهذا يعني أن تكلفة المنسف ارتفعت بمقدار 22.6 دينارا خلال الفترة المدروسة، أي بنسبة تقارب 65 في المئة، وقد يبدو للوهلة الأولى أن هذه النسبة أقل من نسبة ارتفاع الحد الأدنى للأجور التي بلغت نحو 93 في المئة، إلا أن الصورة الكاملة أكثر تعقيدا من ذلك، فالمنسف يمثل جزءا واحدا فقط من إنفاق الأسرة، وإلى جانب الغذاء تواجه الأسر الأردنية تكاليف أخرى تشمل السكن والمياه والكهرباء والمحروقات والتعليم والصحة والمواصلات والاتصالات، وبالتالي فإن ارتفاع الأجور لا يعني بالضرورة تحسناً مماثلا في مستوى المعيشة إذا كانت بقية النفقات ترتفع هي الأخرى بوتيرة متسارعة.

أبو أحمد 62عاما ، موظف وأب لخمسة أفراد يقطن في العاصمة عمان، يقول إن إدارة مصاريف المنزل أصبحت أكثر صعوبة مقارنة بما كانت عليه قبل سنوات .

 ” كل شهر بدك ترتب أولوياتك من جديد، فيه مصاريف ثابتة ما بتقدر تأجلها، إيجار كهرباء مي مدارس ومواصلات، وبعدها بتشوف شو ظل معك لباقي الاحتياجات” .

ويشير إلى أن ارتفاع أسعار المواد الغذائية أصبح من أكثر الأمور التي تلاحظها الأسر بشكل يومي : ” لما تروح على السوق وتحس إنو نفس المشتريات اللي كنت تجيبها قبل سنوات بمبلغ معين صارت بدها حسبة أكبر، هون بتعرف قديش الأسعار تغيرت” .

وعن المنسف، يقول أبو أحمد:

 “المنسف قيمة اجتماعية عند الأردنيين وما حدا بحب يستغني عنها، بس أكيد التكلفة اليوم مختلفة، زمان كنت تعمل منسف لمناسبة عائلية بدون ما تفكر كثير بالحساب، اليوم لازم تحسب حساب طويل عريض اذا بدك تعمله لبيتك” .

ويضيف:

” الراتب ارتفع مع السنين، وهذا اشي كويس بس بنفس الوقت أغلب السلع ارتفعت، المواطن دايما بصرف أكثر من راتبه بسبب الغلاء ومستحيل حد يعرف كيف” .

القوة الشرائية : المؤشر الأهم

         في الاقتصاد لا ينظر إلى الراتب باعتباره رقما مجردا، بل باعتباره أداة للحصول على السلع والخدمات، ولهذا السبب فإن القوة الشرائية تعتبر مؤشرا أكثر أهمية من قيمة الراتب نفسها، فعندما يرتفع الراتب بنسبة معينة، لكن ترتفع الأسعار بالنسبة نفسها أو بنسبة أعلى، فإن المواطن لا يشعر بتحسن حقيقي في مستوى معيشته، ومن هنا تأتي أهمية مقارنة الحد الأدنى للأجور بأسعار السلع الأساسية، لأن هذه المقارنة تكشف ما إذا كان العامل أصبح قادرا على شراء كمية أكبر من السلع أم لا، وتشير البيانات إلى أن الأجور شهدت نموا ملحوظا خلال السنوات الماضية، إلا أن ارتفاع أسعار الغذاء بدوره استهلك جزءا من المكاسب التي حققتها تلك الزيادات  .
يقول الدكتور ماهر المحروق مدير جمعية البنوك الأردنية إن الارتفاع الاسمي للأجور وصولاً إلى 290 ديناراً يُعد خطوة هامة، ولكن عند قياسه بمؤشرات حيوية وملموسة كـتضاعف أسعار السلع الغذائية الأساسية، يتضح لنا أن التضخم التراكمي قد امتص هذه الزيادات. وهنا يأتي الدور المحوري للقطاع المصرفي الأردني ، فالسياسة النقدية الموزونة والاستقرار الائتماني يشكلان صمام الأمان الأساسي لمنع تفاقم الضغوط التضخمية وحماية المدخرات والدخول الحقيقية للمواطنين.

المنسف والبعد الاجتماعي

            لا يقتصر تأثير ارتفاع الأسعار على الجانب الاقتصادي فقط، بل يمتد إلى البعد الاجتماعي أيضا، فالمنسف في الأردن يرتبط بالمناسبات الاجتماعية والزيارات العائلية والأفراح وبيوت العزاء والاحتفالات الوطنية، ومع ارتفاع تكلفته أصبحت بعض الأسر أكثر حذراً في تنظيم الولائم الكبيرة، بينما اتجه آخرون إلى تقليل عدد المناسبات التي يتم فيها إعداد المنسف.

            رغم ذلك، ما يزال المنسف يحتفظ بمكانته كأحد أبرز الرموز الوطنية والاجتماعية في الأردن، وهو ما يدفع الكثير من الأسر إلى الحفاظ على حضوره حتى في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة

أرقام تحكي قصة

           تكشف البيانات أن الأردن شهد خلال السنوات الست عشرة الماضية مسارين متوازيين، الأول تمثل بارتفاع الحد الأدنى للأجور من 150 إلى 290 دينارا، والثاني تمثل بارتفاع أسعار عدد من السلع الغذائية الأساسية التي يعتمد عليها المواطن في حياته اليومية.

          وفي الوقت الذي اقتربت فيه الأجور من الضعف مقارنة بالعام 2010، ارتفعت تكلفة إعداد المنسف من 35 إلى 57.6 دينار، كما سجلت أسعار اللحوم والأرز والجميد زيادات متفاوتة تراكمت عاما بعد عام، هذه الأرقام لا تقدم حكما نهائيا على الواقع الاقتصادي بقدر ما تقدم صورة رقمية توضح حجم التغيرات التي شهدتها الأسواق الأردنية خلال العقد ونصف العقد الماضيين.

            وبين راتب ارتفع وأسعار واصلت الصعود، يبقى التحدي الأساسي أمام صناع القرار هو الحفاظ على القوة الشرائية للمواطن، بحيث تنعكس أي زيادات في الأجور على مستوى المعيشة بصورة ملموسة، لا أن تذوب تدريجيا أمام الارتفاع المستمر في تكاليف الحياة .

في النهاية، قد يكون المنسف مجرد وجبة على المائدة الأردنية، لكنه في لغة الأرقام يتحول إلى مؤشر اقتصادي واجتماعي يعكس قصة أكبر، قصة دخل يرتفع وأسعار ترتفع معه ومواطن يحاول الموازنة بين متطلبات الحياة اليومية والحفاظ على تقاليده الاجتماعية التي تشكل جزءا من هويته وثقافته.

الدينار الأردني ليس عملة عائمة، بل يرتبط بالدولار الأمريكي بسعر صرف ثابت، في الفيديو التالي نوضح لكم معادلة الربط بين الدينار الأردني والدولار

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *