تقرير غدير أبو الرب، كرم الشلبي – معهد الإعلام الأردني

الأطفال يقرؤون أكثر، لكن حضور القصص التي تعكس واقعهم المحلي ما يزال محدوداً © iStock
يعرف يوسف، ذو الثلاث سنوات، جيداً إلى أين يتجه فور دخوله مكتبة درب المعرفة للأطفال واليافعين. فهو يحفظ الفرق بين التيرانوصوروس والسباينوصوروس، ويبحث دائماً عن قصص الديناصورات وكتبها المصوّرة، ويحمل بعضها معه إلى المنزل. وبينما ينشغل بالبحث عن قصصه المفضلة، يحرص والداه على أن يتسلل إلى قائمته، ضمن الكتب الخمسة التي تسمح بها المكتبة في كل إعارة، كتاب أو اثنان عن الصداقة أو الشجاعة أو الحياة اليومية. لكن ما لا يعرفه يوسف أن معظم الكتب التي يقرأها ليست أردنية، وأن القصص التي تعكس بيئته المحلية ما تزال محدودة الحضور على الرفوف.
يوسف ليس استثناءً. فبيانات الإعارة في مكتبة درب المعرفة -بفرعيها في جبل عمان والأشرفية وتوسعها الأخير في حدائق الملك عبدالله الثاني- تشير إلى نمو ملحوظ في الإقبال على كتب الأطفال خلال السنوات الأخيرة، خصوصاً لدى الفئات العمرية الأصغر. فقد ارتفع عدد الإعارات في الفئة العمرية (0-6 سنوات) من عشرات الإعارات عام 2019 إلى أكثر من ألفي إعارة في عام 2025، فيما سجّلت الفئة العمرية (7-11 سنة) أعلى عدد من الإعارات بين جميع الفئات خلال الفترة نفسها، ما يطرح سؤالاً مختلفاً: إذا كان الأطفال يقرأون، فأين يقف أدب الأطفال الأردني من هذا الإقبال؟
لكن ارتفاع الإقبال على القراءة لا يعني بالضرورة ازدهار أدب الأطفال الأردني. فبحسب رئيس لجنة أدب الطفل في رابطة الكتّاب الأردنيين، محمد جمال عمرو، لا تزال العلاقة بين الطفل الأردني والكتاب المحلي تواجه تحديات تتعلق بحجم الإنتاج وتنوّع الموضوعات. ويقول: “العلاقة بين المؤلف والناشر في الأردن غير سليمة، وإقبال المؤلفين على هذا الحقل في تراجع”.
ويذهب أستاذ الأدب والنقد في الجامعة الهاشمية، الدكتور ناصر شبانة، إلى أبعد من ذلك، معتبراً أن أدب الأطفال في الأردن “يشهد تراجعاً” رغم الإقبال الملحوظ على القراءة، خصوصاً بين الأطفال في الفئات العمرية الأصغر.
الدعم الرسمي: تراجع مستمرّ ولا بدائل جديدة
يُشكّل غياب الدعم المؤسسي المنتظم أحد أبرز أسباب تراجع أدب الأطفال في الأردن، بحسب شبانة، الذي يرى أن “مؤسسات رسمية أو خاصة لم تحاول إطلاق مبادرات بديلة لما يتم إيقاف إصداره في مجال أدب الطفل، وهذا مقلق حقاً”. فقد اعتادت أمانة عمّان الكبرى شراء نسخ من مؤلفات الكتّاب الأردنيين وتوزيعها عبر مكتباتها العامة، إلا أن هذه الآلية تراجعت بشكل واضح. أمّا وزارة الثقافة، التي تُصدر مجلة “وسام” للأطفال وتدعم النشر عبر عدة قنوات، فتعمل بميزانية لا تتناسب مع حجم المهمة.
مجلة “براعم عمان”، التي أصدرتها أمانة عمان الكبرى منذ عام 1998 كمنبر ثقافي شهري مجاني، توقفت عن الصدور. كما تحوّلت مجلة “زها”، التي يكتبها ويشارك في تحريرها الأطفال واليافعون، إلى الإصدار الإلكتروني. وتواصل “الشرطي الصغير” صدورها، وإن ظلّ تأثيرها على المكتبة الإبداعية للطفل محدوداً. وفي هذا المشهد الشحيح، جاء إعلان مؤسسة الرأي الصحفية في تشرين الأول 2025 عن إعادة إصدار مجلة “حاتم” للأطفال حدثاً ثقافياً لافتاً، عكس حجم الفراغ الذي خلّفه تراجع الإصدارات الدورية الأردنية الموجّهة للأطفال خلال السنوات الأخيرة.
ورغم هذه التحدّيات، ترى مؤسِّسة “دار السلوى”، الكاتبة تغريد النجار أن مشهد أدب الأطفال في الأردن شهد تطوراً ملحوظاً خلال العقود الأخيرة. وتقول النجار، التي تتابع هذا الحقل منذ أكثر من أربعين عاماً، إن عدد الكتّاب ودور النشر المهتمة بأدب الأطفال ازداد بشكل واضح، إلا أنها تؤكد أن القطاع “ما يزال في أول الطريق”، ويحتاج إلى مزيد من التطوير والاستمرار للوصول إلى مستوى أكثر نضجاً وتنوعاً.
الأردن في أدب الطفل العربي: حضور بصوت خافت
في الجوائز العربية المتخصصة، يتنافس الكتّاب الأردنيون في ميدانين رئيسيين: جائزة عبد الحميد شومان لأدب الأطفال (أردنية المنشأ، انطلقت عام 2006)، والجائزة الدولية لأدب الطفل العربي المقدمة من إي آند (إماراتية المنشأ، انطلقت عام 2009).
تُظهر الجائزة الدولية لأدب الطفل العربي أن أدب الأطفال الأردني ما يزال قادراً على المنافسة خارجياً. فقد وصل إلى القائمة القصيرة لدورة 2024 التي ضمت 21 كتاباً من ثماني دول، متصدراً جنباً إلى جنب مع الإمارات. وفي الدورة الأخيرة للجائزة، تصدّرت دور النشر الأردنية القائمة القصيرة بواقع عشرة كتب من أصل خمسة وعشرين كتاباً متأهلاً، فيما فازت قصة “أنا” الصادرة عن دار السلوى بالجائزة الكبرى.
أما بيانات جائزة عبد الحميد شومان لأدب الأطفال، التي عقدت دورتها التاسعة عشرة عام 2025، فتقدّم صورة أكثر تعقيداً. فعلى مدار 19 دورة، تقدّم 6216 مشاركاً من 48 دولة، وفاز 53 كاتباً من 11 دولة. وجاء الأردن في المرتبة الأولى من حيث عدد المشاركات بـ1495 مشاركة، متقدماً على مصر (1385) والجزائر (527) وسوريا (426).
وفي دورة 2025 تحديداً، لم يفز أيّ كاتب أردني، وذهبت الجوائز الثلاث لكتّاب من سلطنة عُمان ومصر. والأكثر دلالة أن الفائزة الأولى من سلطنة عُمان قدّمت قصة تجري أحداثها في الأردن – في مادبا والبتراء ووادي رم – أي أن الأردن حاضرٌ كمكانٍ في الأدب العربي للطفل، لكنه غائب كصوت.
لكن قراءة نتائج الجائزة تكشف مفارقة لافتة؛ فعلى الرغم من تصدّر الأردن عدد المشاركات، جاءت سوريا في المرتبة الأولى من حيث عدد الفائزين بـ14 فوزاً، مقابل 12 فوزاً للأردن. ويعني ذلك أن معدل الفوز قياساً بالمشاركة يبلغ نحو 0.8% للأردن، مقارنة بنحو 3.3% لسوريا.
ولا تكشف البيانات وحدها أسباب هذه الفجوة، إلا أن تقارير التحكيم في الجائزة تشير إلى حضور متزايد لأعمال تنتمي إلى الخيال العلمي وأدب المغامرات والرحلات، وهي موضوعات وصفتها لجان التحكيم بأنها ما تزال محدودة الحضور في أدب الأطفال العربي.
الكتّاب الأردنيون: طاقة فردية في غياب منظومة
تشير بيانات رابطة الكتّاب الأردنيين إلى أن نحو 48 عضواً فقط يُدرجون أدب الطفل كتخصصٍ صريح، من أصل أكثر من ألف عضو تتوفر بيانات تخصصاتهم. ورغم أن هذا الرقم لا يشمل جميع العاملين في المجال، فإنه يعكس محدودية حجم القطاع مقارنة بغيره من الحقول الأدبية.
ويُعدّ الكاتب محمد جمال عمرو من أبرز الأسماء في هذا الحقل، إذ أصدر أكثر من 250 عنواناً للأطفال على امتداد مسيرته، ويرى أن المشكلة لا تكمن في غياب المواهب بقدر ما تكمن في ضعف البيئة الداعمة للكتابة والنشر. ويقول إن “العلاقة بين المؤلف والناشر في الأردن غير سليمة”، ما يجعل استمرارية الإنتاج مرتبطة بجهود فردية أكثر من ارتباطها بمنظومة ثقافية متكاملة.
ولا يقتصر المشهد على عمرو، بل يضم أسماءً أخرى مثل تغريد النجار، وهيا صالح، وفداء الزمر، وإيهاب الشلبي وغيرهم من الكتّاب الذين حافظوا على حضور أدب الأطفال الأردني محلياً وعربياً رغم محدودية الدعم المؤسسي، في بيئة تفتقر إلى كثير من مقومات الاستدامة؛ من محدودية التوزيع، إلى غياب المشتريات الرسمية المنتظمة، وصولاً إلى ضعف العائد الاقتصادي الذي يجعل الكتابة للطفل خياراً ثقافياً أكثر منه مهنة قابلة للحياة، وفقاً لعمرو.
المحتوى يتغيّر… والطفل أيضاً
ومع تغيّر عادات استهلاك المحتوى لدى الأطفال، لم تعد محاولات الوصول إليهم تقتصر على الكتاب الورقي. فقد ظهرت خلال السنوات الأخيرة مبادرات تعتمد السرد الصوتي بوصفه وسيلة جديدة لتقديم القصص والمعرفة للأطفال، من بينها مشروع “شمندر” التابع لمنصة “صوت”.
ينطلق “شمندر” وغيره من المشاريع من محاولة الوصول إلى الأطفال عبر الوسائط التي باتوا يستخدمونها يومياً، في وقت تتزايد فيه هيمنة الشاشات على أوقات الفراغ والانتباه. لكن التحدي يمتد إلى طبيعة العلاقة التي يبنيها الأطفال مع القراءة والمحتوى عموماً، والدور الذي يلعبه الأهل في تشكيل هذه العلاقة منذ سنواتها الأولى.
في نهاية كل شهر، يعيد يوسف كتبه الخمسة إلى المكتبة، ثم يتجه -كعادته- مباشرة نحو رفوف الديناصورات. يعرف ما قرأه وما لم يقرأه بعد، لكنه لا يعرف أن القصص التي يختارها هي نتيجة منظومة كاملة من الكتّاب والناشرين والمؤسسات الثقافية. وإذا كان أدب الأطفال في الأردن قد شهد تطوراً خلال العقود الأخيرة، فإن التحدي اليوم يمتد إلى قدرته على مواكبة اهتمامات الأطفال وتمثيل واقعهم. فالطفل الذي لا يجد نفسه في القصص التي يقرأها قد لا يتوقف عن القراءة فجأة، لكنه قد يفقد تدريجياً ذلك الشعور النادر بأن هذه الحكايات كُتبت عنه أيضاً.