
معهد الإعلام الأردني- تيمور بلقر، محمد الطويسي
لم ينسَ أحمد القواقنة ذلك اليوم الذي جلس فيه إلى جانب والده داخل قسم الطوارئ في مستشفى أبي عبيدة. كان المكان مزدحمًا، والأسرة مشغولة، والممرضون ينتقلون بين المراجعين بسرعة واضحة. انتظر قرابة نصف ساعة قبل أن يتمكن الكادر من قياس ضغط والده ونبضات قلبه.
بالنسبة له، لم تكن المشكلة في تعامل الكادر الطبي، بل في حجم الضغط الذي كان يواجهه القسم في تلك اللحظة.
يقول القواقنة إن ما رآه يومها جعله يدرك حجم العبء الذي تتحمله أقسام الطوارئ، خاصة عندما تتجاوز أعداد المراجعين القدرة الاستيعابية المتاحة. لكنه في الوقت نفسه يطرح سؤالاً يبدو بسيطاً للوهلة الأولى: هل كل من يدخل قسم الطوارئ يحتاج فعلاً إلى خدمة طارئة؟
هذا السؤال تحديدًا تفرضه أرقام وزارة الصحة التي تضع مستشفيي أبي عبيدة في إربد والإيمان في عجلون ضمن المستشفيات التي سجلت نسباً مرتفعة من مراجعات الطوارئ خلال عام 2024. ومن هنا لا تبدو المقارنة بين المحافظتين مجرد مصادفة إحصائية، بل مدخلاً لفهم ما إذا كانت خصائص الرعاية الصحية الأولية وتوزيع خدماتها تسهم في تشكيل أنماط مراجعة أقسام الطوارئ، وكيف يعمل تراجع الثقة بمراكز الرعاية الصحية الأولية الذي بلغ عددها في المملكة (٦٧١ ) مركزا بينما وصل عدد المراكز الصحية الشاملة ١٤٦ مركزًا في اعتماد المرضى على أقسام الطوارئ في المستشفيات.
أرقام تثير التساؤلات
تكشف بيانات وزارة الصحة عن ارتفاع نسبة الحالات المصنفة كـ”طارئة” في مستشفى أبي عبيدة من نحو 31% عام 2019 إلى ما يقارب 98% عامي 2023 و2024.
وعلى الورق، يبدو هذا الارتفاع استثنائيًا؛ فخلال خمس سنوات فقط، انتقلت غالبية المراجعات من كونها مراجعات عادية إلى مراجعات مصنفة ضمن الحالات الطارئة، وهو تحول يطرح تساؤلات حول طبيعة هذا التغير وأسبابه وما إذا كان يعكس بالفعل تغيرًا في سلوك المواطنين أو في آلية التصنيف الإحصائي.
لكن مدير مستشفى أبي عبيدة، الدكتور مؤيد الشكور، لا يتعامل مع هذا الرقم باعتباره حقيقة نهائية.
فالشكور يرى أن تفسير نسبة تقترب من 98% على أنها حالات طارئة فعلية يحتاج إلى مراجعة دقيقة، مشيراً إلى أن الوصول إلى هذه النسبة يعني عمليًا وجود حالة تشغيلية استثنائية قد تصل إلى حد “الكارثة”.
وقال إن المستشفى يستقبل يوميًا مئات المراجعين في قسم الإسعاف والطوارئ، لكن عدد المرضى الذين يحتاجون فعليًا إلى دخول المستشفى يبقى محدودًا مقارنة بإجمالي المراجعين.
أرقام لا تتطابق

لا يقتصر التشكيك في تفسير الأرقام على إدارة مستشفى أبي عبيدة.
فمدير الشؤون الفنية للمستشفيات في وزارة الصحة الدكتور إبراهيم الشهابات يطرح التساؤل ذاته من زاوية مختلفة.
فإذا كانت غالبية المراجعين حالات طارئة حقيقية، كما توحي بعض البيانات، فمن المنطقي أن تنعكس هذه الأعداد على نسب إشغال الأسرة داخل المستشفيات.
لكن الواقع لا يبدو بهذه الصورة.
فبحسب ما يشير إليه الشهابات، فإن نسب إشغال الأسرة في مستشفى أبي عبيدة خلال السنوات الأخيرة بقيت عند مستويات مستقرة نسبياً تدور حول 40% إلى 50% تقريباً، وهي نسب لا تنسجم مع تصور وجود موجة ضخمة من الحالات الحرجة التي تحتاج إلى دخول المستشفى.
ويشير إلى أن التحدي الحقيقي لا يكمن في عدد المراجعين فقط، بل في معرفة طبيعة الحالات التي تصل إلى أقسام الطوارئ.
فهل هي حالات إصابات خطيرة؟ أم آلام صدر؟ أم ارتفاع حرارة لدى الأطفال؟ أم مشكلات صحية يمكن التعامل معها في المراكز الصحية؟
ما الذي يدفع الناس إلى الطوارئ؟
بالنسبة لأحمد القواقنة، تبدو الإجابة واضحة.
فهو يؤكد أن كثيرًا من سكان المناطق المحيطة يلجؤون إلى المستشفى لأن المراكز الصحية القريبة لا توفر دائمًا الخدمة التي يحتاجونها.
ويقول إن تجربة الكثير من المراجعين تبدأ في المركز الصحي وتنتهي في المستشفى بعد الحصول على تحويلة.
ويضيف أن المراكز الصحية الأولية الموجودة في القرى تؤدي دورًا مهمًا، لكنها لا تمتلك في كثير من الأحيان التخصصات أو الإمكانيات الكافية للتعامل مع مختلف الحالات.
لذلك يجد المواطن نفسه مضطرًا إلى التوجه نحو المستشفى، حتى لو لم تكن حالته طارئة بالمعنى الطبي الدقيق.
هذه الرواية تعكس جانبًا من تجربة المواطنين، لكنها لا تتطابق بالكامل مع رؤية إدارة المستشفى.
فالشكور يؤكد أن لواء الأغوار الشمالية يعد من “أكثر المناطق حظًا” من حيث توفر الخدمات الصحية الأولية، إذ يضم مستشفيين حكوميين وما يقارب 12 مركزًا صحيًا.
ويرى أن غالبية التخصصات الأساسية متوفرة، وأن التحويلات تقتصر على بعض الخدمات الدقيقة أو المتخصصة جداً، مثل المختبرات الطبية وأقسام التنظير.
وبين الروايتين، تظهر فجوة تحتاج إلى تفسير: هل المشكلة في نقص الخدمات فعلاً؟ أم في ثقة المواطنين بالخدمة المقدمة خارج المستشفى؟
أين تقف الرعاية الأولية؟
تكشف بيانات وزارة الصحة عن تفاوت واضح في توفر أقسام الطوارئ داخل المراكز الصحية بين المحافظات.
وتظهر محافظة إربد، التي يقع ضمنها مستشفى أبي عبيدة، عند أدنى مستويات التوفر مقارنة بعدد المراكز الصحية.
في المقابل، تسجل عجلون مستويات أعلى بكثير.
هذا التفاوت لا يعني بالضرورة غياب الخدمات الصحية في إربد، لكنه يسلط الضوء على اختلاف في توزيع الخدمات الأساسية المرتبطة بالرعاية الأولية والطوارئ.
وقد يفسر جزءاً من الضغط الذي تتعرض له بعض المستشفيات نتيجة توجه المواطنين مباشرة إلى أقسام الطوارئ بدلاً من تلقي الخدمة في المراكز الصحية.
فجوة أخرى في الخدمات
لا يتوقف الأمر عند أقسام الطوارئ فقط.
فالمقارنة بين إربد وعجلون تظهر فروقات كبيرة في توفر عدد من الأقسام الأساسية داخل المراكز الصحية.
فعلى مستوى الطب العام، تسجل عجلون معدل توفر يقارب 11.5 قسم لكل ألف نسمة، مقابل نحو 2.8 فقط في إربد.
كما تتكرر الفجوة في خدمات الأمومة والطفولة والمختبرات والأشعة وتنظيم الأسرة.
هذه الأرقام لا تثبت بشكل قاطع أن نقص الخدمات هو السبب المباشر وراء ارتفاع مراجعات الطوارئ، لكنها تفتح الباب أمام احتمال وجود علاقة بين محدودية بعض الخدمات في الرعاية الأولية وزيادة الاعتماد على المستشفيات.
أزمة وعي أم أزمة نظام؟
يرى الخبير الصحي الدكتور أحمد الأحمد المدير العام لمستشفى الأستقلال أن جوهر المشكلة لا يكمن في المباني أو الأسرة أو عدد المستشفيات.
من وجهة نظره، تبدأ المشكلة من طريقة دخول المواطن إلى النظام الصحي.
ويشرح أن المنظومة الصحية تقوم على ثلاث مستويات: الرعاية الأولية، والرعاية الثانوية، والرعاية الثالثية.
وفي الوضع الطبيعي، يفترض أن يبدأ المواطن رحلته العلاجية من الرعاية الأولية قبل الانتقال إلى المستويات الأعلى عند الحاجة.
لكن ما يحدث في كثير من الأحيان هو تجاوز هذه الحلقة بالكامل والتوجه مباشرة إلى أقسام الطوارئ.
ويشير الأحمد إلى أن حالات مثل الرشح أو التهاب اللوزتين أو المشكلات الصحية البسيطة لا تستدعي مراجعة أقسام الطوارئ، لكنها تشكل جزءاً من المراجعات اليومية التي تستقبلها المستشفيات.
ويضيف أن إغلاق المراكز الصحية خلال ساعات الليل يدفع بعض المواطنين إلى اللجوء للطوارئ باعتبارها الخيار الوحيد المتاح.
إلا أن ذلك لا يفسر كل شيء.
فبرأيه، هناك أيضًا نقص في وعي المواطنين بطبيعة الخدمات التي تقدمها المراكز الصحية ودور طبيب الأسرة في توجيه المريض إلى المسار المناسب.





عندما يقرر المواطن وحده
يذهب الدكتور إبراهيم الشهابات أبعد من ذلك.
فهو يرى أن النظام الصحي الأردني بحاجة إلى آلية تنظيمية أكثر وضوحًا تحدد للمواطن متى يتوجه إلى المركز الصحي ومتى يتوجه إلى المستشفى.
فالشخص الذي يعاني من أعراض بسيطة قد يختار الذهاب مباشرة إلى الطوارئ بدلاً من مراجعة المركز الصحي، ليس لأنه لا يجد الخدمة بالضرورة، بل لأنه يعتقد أن المستشفى أسرع أو أكثر قدرة على التعامل مع حالته.
وبرأيه، فإن وجود نظام أكثر تنظيمًا قد يساهم في تخفيف الضغط عن أقسام الطوارئ دون الحاجة إلى توسعات إنشائية مكلفة.
ماذا يستقبل قسم الطوارئ؟
عند سؤال إدارة مستشفى أبي عبيدة عن أكثر الحالات التي تصل إلى قسم الطوارئ، لا تظهر صورة واحدة موحدة.
فالأطفال غالباً ما يراجعون بسبب ارتفاع الحرارة أو أعراض التهابات الجهاز التنفس،. والشباب يدخلون الطوارئ نتيجة حوادث السير والغرق، أما كبار السن فتبرز بينهم مشكلات الجهاز التنفسي والأمراض المزمنة ومضاعفاتها.
وهنا تظهر إشكالية أخرى؛ فالحالة التي يعتبرها المواطن طارئة قد لا تكون بالضرورة حالة حرجة وفق المعايير الطبية، لكنها تبقى بالنسبة له حالة تستدعي المراجعة الفورية.
وهذا ما يجعل الفصل بين “الطارئ الحقيقي” و”الطارئ المدرك” أكثر تعقيداً مما توحي به الأرقام.
ضغط يشعر به المواطن
رغم دفاعه عن الكادر الطبي، لا ينكر أحمد القواقنة وجود ضغط حقيقي داخل أقسام الطوارئ، في ظل أعداد المراجعين التي تفوق أحيانًا القدرة الاستيعابية المتاحة. ومع ذلك، يؤكد أن الكادر الطبي والتمريضي يواصل تقديم الخدمة بكفاءة عالية رغم هذه الضغوط.
ويقول إن أكثر ما لفت انتباهه هو قدرة الكادر الطبي على الاستمرار في العمل رغم نقص الموارد البشرية مقارنة بحجم الضغط.
لكن تجربته الشخصية قادته أيضاً إلى قناعة أخرى: تخفيف الضغط لن يتحقق من خلال المستشفيات وحدها، بل من خلال تطوير المراكز الصحية الشاملة وتمكينها من تقديم خدمات أوسع.
مستشفى في قلب النقاش
عند مقارنة مستشفى أبي عبيدة ببقية مستشفيات وزارة الصحة، يظهر ضمن شبكة واسعة من المستشفيات الحكومية التي تتفاوت أحجام المراجعات فيها بشكل كبير.
فالضغط يتركز بشكل أكبر في مستشفيات كبرى مثل البشير والزرقاء والأميرة بسمة، بينما تقع مستشفيات مثل أبي عبيدة والإيمان ضمن فئة المستشفيات الأصغر حجماً.
ومع ذلك، فإن أهمية مستشفى أبي عبيدة لا ترتبط فقط بعدد المراجعين، بل بكونه نموذجاً يعكس نقاشاً أوسع حول العلاقة بين الرعاية الأولية والطوارئ، وحول كيفية قراءة البيانات الصحية وفهمها.
أبعد من الأرقام
بينما يتذكر أحمد القواقنة لحظة انتظاره مع والده داخل قسم الطوارئ، يبقى السؤال مطروحاً خارج أسوار مستشفى أبي عبيدة: هل تعكس الأرقام ارتفاعاً حقيقياً في الحالات الطارئة، أم أنها تكشف عن خلل في توجيه المرضى داخل المنظومة الصحية؟
وبين دعوات تعزيز الرعاية الأولية، ومطالب تنظيم مسار المراجعين بين المراكز الصحية والمستشفيات، تبدو الإجابة مرتبطة بما هو أبعد من أعداد المراجعين؛ إنها مرتبطة بقدرة النظام الصحي على إيصال كل مريض إلى المكان المناسب، في الوقت المناسب.