العين بالعين والأرقام أدق والقانون أعدل

Posted by

ما في رابح في دائرة الدم “جملة كان يرددها جدّي وهو بيهز رأسه ببطء، فكلما دار الحديث عن وقوع جريمة كان جدي يقول :” لازم نشوف منيح وبعيونا الثنتين، مش بعين وحدة، هون عيله فقدت عزيز وكل حدا عزيز عأهله، وهون عيله بتستنى مصير يمكن يكون حبل مشنقة أو حيطان سجن بتوكل سنين العمر أكل، الله يبعدنا عن جهد البلا”.

 تذكرتُ مقولة جدي هذه عندما سألتُ ( وفاء) “عما آلت اليه قضيتهم فأجابت بكلمات سبقتها تنهيدة ” شو بدو يصير يعني الزلمة صار تحت التراب الله يرحمه وولاده صاروا يتامى الله يعينهم، ويعينا إحنا كمان”. 

بينما لا يزال زوجها يقضي سنواته خلف القضبان، وفاء تحمد الله أن التهمة انتهت الى الضرب المفضي إلى الموت لا القتل قائلة: “هو عايش واحنا بنشوفه الحمد لله، لما كنت اسمع جملة “العين بالعين” لما كانت تصير الجلسات مع الشيوخ، كان جسمي كلو ينتفض”.

“العين بالعين والسن والسن بالسن والبادي اظلم” لطالما نوقش قانون حمورابي عبر الأزمنة والعصور وحتى في الأديان عن تبعاته الأخلاقية والعملية، وعصرنا لا يختلف عن الماضي. ويأخذ هذا النقاش مجده عندما نتحدث عن حكم الإعدام الذي مر عبر تغيرات منذ تبنيه كجزء من الدستور الأردني والقانون. 


وفي كل مرة تقع فيها جريمة تشعل الرأي العام في وسائل التواصل الاجتماعي. ، تعود التساؤلات والنقاشات الى الواجهة: هل تُعتبر الأعمال الشاقة المؤبدة كافية لمعاقبة من أقدم على إنهاء حياة إنسان، أم أن العدالة لا تكتمل إلا بحبل المشنقة؟ وبين التعاطف مع عائلة ضحية تطالب بالقصاص، تتحرك الخوارزميات لتضخيم المشهد، وتزداد المطالبات بتنفيذ حكم الإعدام، لكن المفارقة هنا تكمن بين فضاء رقمي يوحي بأن الجريمة قد انتشرت واستشرت في جسد المجتمع، وبين واقع رسمي مغاير تحكمه لغة الأرقام والإحصاءات.  

حكم الاعدام في القانون ما بين التجميد والتنفيذ

عقوبة الإعدام في الأردن ليست مجرد نص قانوني جامد؛ بل إنه شبكة معقدة تتقاطع فيها الأحكام الشرعية، مع موروثات القضاء العشائري وضغوط السلم المجتمعي، في مواجهة مباشرة مع التزامات دولية ومواثيق حقوقية وقعت عليها الأردن في محافل الأمم المتحدة. 

منذ عام 2006، توقفت عمليات التنفيذ فعلياً لعقوبة الاعدام، دون إلغاء العقوبة من التشريعات، واستمرت المحاكم بإصدار الأحكام، لكن التنفيذ ظل مجمداً، لم يكن هناك إعلان سياسي صريح بإلغاء العقوبة أو وقفها رسمياً، وتمت ادارة هذا الملف بما يوازن بين حساسية الداخل ومتطلبات الصورة الحقوقية في الخارج، وفي كانون الأول 2014، جرى تنفيذ حكم الإعدام بحق 11 مداناً في قضايا جنائية كبرى، بعد ثماني سنوات من التوقف عن استخدام المشنقة. وفي شباط 2015، ردا على إعدام الطيار الأردني معاذ الكساسبة على يد تنظيم “داعش”، نفذ الأردن حكمي الإعدام بحق ساجدة الريشاوي وزياد الكربولي.

ثم في آذار 2017، تم تنفيذ حكم جماعي شملت 15 محكوماً في قضايا إرهابية وجنائية. منذ ذلك التاريخ، لم يعد النقاش في الأردن يدور حول “إلغاء أو إبقاء” بل استقر الأمر على الإبقاء على العقوبة قانونياً، وتفعيلها في اللحظات التي ترى فيها الدولة أن الردع أو الرسالة السياسية والأمن المجتمعي يقتضي ذلك.

هل ارتفع عدد الجرائم في الأردن؟

“تداولت وسائل الاتصال الاجتماعي وقوع عدد من الجرائم في فترات زمنية متقاربة على أنه تفشي لمعدل الجريمة وأن المجتمع لم يعد آمنا وبحاجة الى ضوابط رادعة مطالبين بتشديد العقوبات وتنفيذ حكم الإعدام، في الوقت الذي أظهر التقرير الإحصائي الجنائي السنوي الصادر عن مديرية الأمن العام، تراجعا في عدد الجرائم المسجلة في الأردن خلال العام 2025 بفارق 961 جريمة، حيث بلغ إجمالي الجرائم 23,021 جريمة، مقارنة بـ 23,982 جريمة في 2024.

كما انخفض المجموع الكلي للجرائم الواقعة على الإنسان ليصل إلى 1,266 جريمة، مقارنة بـ 1,352 جريمة في العام الذي سبقه.

وفيما يتعلق بجرائم القتل، فقد شهدت جرائم “القتل العمد” انخفاضا بفارق 11 جريمة، حيث سجلت 41 جريمة في عام 2025 بعد أن كانت 52 جريمة في 2024.

أما جرائم “القتل القصد”، فقد ارتفعت بواقع جريمة واحدة فقط لتصل إلى 41 جريمة، كما تراجعت الأرقام الخاصة بجريمة “الضرب المفضي للموت” بعد تسجيل 6 جرائم مقارنة بـ 3 جرائم في العام سابقه، ومن جانب آخر، كشفت الإحصائيات عن ارتفاع في قضايا “القتل الخطأ” لتصل إلى 54 جريمة بعد أن كانت 34 جريمة.


الأرقام في مواجهة تهويل الفضاء الرقمي 

سجلت التقارير السنوية الصادرة عن مديرية الأمن العام تراجعا في معدل الجريمة لكل 100 ألف نسمة على مدار السنوات العشر الماضية (2015-2025)، وعلى الرغم من تسجيل ارتفاع في عام 2019 يصل إلى نحو 24.86، انخفضت النسبة لتصل إلى أدنى مستوياتها في عام 2021 بتسجيل نحو 19 جريمة لكل 100 ألف نسمة. 

ورغم الارتفاع الطفيف والاستقرار النسبي الذي بين عامي 2022 و2024 ، إلا أن عام 2025 عاد ليسجل انخفاضاً جديداً مما يعكس اتجاهاً عاماً إيجابياً وانخفاض معدلات الجريمة.

وبلغت نسبة الانخفاض الإجمالية في معدل الجريمة العام من عام 2015 الى 2025 حوالي %24.31.

وعلى عكس الانطباع السائد والرائج في وسائل التواصل الاجتماعي، تشير الأرقام بأن هناك تقريبا استقرار في عدد الجرائم الإجمالي وانخفاض في عدد الجرائم الواقعة على الإنسان بالرغم من ازدياد عدد السكان، إذ يقدر إجمالي عدد الجنايات التي وقعت على الإنسان خلال العقد الماضي بحوالي 14,180 جناية. وهذا يمثل انخفاضًا بنسبة 22.09% بين عامي 2015 و2025.

وعلى عكس الانطباع السائد والرائج في وسائل التواصل الاجتماعي، تشير الأرقام بأن هناك تقريبا استقرار في عدد الجرائم الإجمالي وانخفاض في عدد الجرائم الواقعة على الإنسان بالرغم من ازدياد عدد السكان، إذ يقدر إجمالي عدد الجنايات التي وقعت على الإنسان خلال العقد الماضي بحوالي 14,180 جناية. وهذا يمثل انخفاضًا بنسبة 22.09% بين عامي 2015 ويشار أيضا إلى تسجيل تراجع بنسبة 6.36% بواقع 1,266 جريمة في 2025، مقارنة مع 1,352 جريمة في 2024.2025.

ولرسم صورة أكثر تفصيلا تدحض نظريات وسائل التواصل الاجتماعي التي تدعي هيمنة جرائم القتل على المشهد المجتمعي في الأردن ؛  بينت معطيات التقريرالإحصائي  بأن الجرائم الواقعة على الأموال كقضايا السرقات والاحتيال تصدرت المشهد الجرمي عام 2025،  بفارق شاسع عن البقية بتسجيلها 15,370 جريمة.

هل يجب الغاء وقف تنفيذ حكم الاعدام

 على جانبي المتراس يقف أولئك الذين يرون بأن حق الحياة هو حق مقدس منحه الله للإنسان ولا يجوز لأحد سلبه، وانها عقوبة قاسية. وعلى الجانب الآخر يقف من يرى تنفيذ حكم الاعدام ضرورة حتمية لتحقيق العدالة القصاصية، وردع الجرائم البشعة، وحماية أمن المجتمع واستقراره. بين هذين المنظورين، تظل القضية معلقة بين صرامة القانون وقدسية الحق في الحياة.

قد يؤدي تعاطف الرأي العام مع الضحايا إلى تقوية الآراء و مضاعفة الشعور بانتشار الجرائم عبر وسائل التواصل الاجتماعي ولكن إذا كانت الأرقام تشير إلى أن عدد الجرائم قد قلّ فعليا فماذا يقول الخبراء عن الرأي العام في ذلك؟ وكيف يتم التعامل مع قساوة بعض الجرائم لضمان حق الضحايا؟

 يرى المستشار القانوني، والمحاضر في مجال القانون والتوعية القانونية طارق بني رشيد، أن عقوبة الاعدام لا تقاس فقط بمدى قساوتها بل تقاس بمدى تحقيقها للعدالة وردع الجريمة، قد يحقق الاعدام الردع في بعض الحالات لكنها ليست الحل الوحيد في مكافحة الجرائم الخطيرة، الأهم في هذا كله هو وجود نظام قضائي عادل دقيق يضمن عدم وقوع أخطاء قانونية؛ فأي خطأ قانوني بعد حكم الإعدام لا يمكن تصحيحه أبدا بعد تنفيذه، لذا يجب أن يبنى الحكم على أدلة جازمة.

ويؤكد بني رشيد، بأن وسائل التواصل الاجتماعي قد تخلق ضغطا في بعض القضايا لكن في النهاية فإن المحاكم ملزمة بالاعتماد على النصوص القانونية والأدلة وليس على الرأي العام وفي بعض الأحيان يتم حظر النشر في بعض القضايا ذات الحساسية وليس هذا بسبب الرأي العام بقدر ما هو لضمان سلامة سير التحقيقات. 

كما يقول رئيس المركز العربي لحقوق الإنسان والسلام الدولي في الأردن الدكتور محمود الشمري:  “عقوبة الإعدام لم تكن يوما حلا جذريا لخفض الجريمة،ونحن كحقوقيون نقرأ الأرقام بدقة؛ لم تنخفض جرائم القتل بعد تنفيذ الأحكام في 2014 و2015 و2017؛ لماذا؟ لأن الجريمة وليدة لحظتها، والجاني لا يقرأ قانون العقوبات قبل ارتكاب جريمته. الدولة حاولت حينها تهدئة الشارع وإرسال رسالة ردع سياسية وأمنية، لكن من منظور حقوق الإنسان، كنا نرى أن الردع الحقيقي يكمن في معالجة البيئة الخصبة للجريمة وليس في مشهد الإعدام.”

   أما خلال هذه السنوات الخمس (2017-2022) ورغم الظروف الاقتصادية الخانقة وجائحة كورونا، أثبت الواقع أن عدم تنفيذ الإعدام لم يرفع معدلات الجريمة كما كان يزعم المدافعون عن العقوبة، ما ردع الجريمة في هذه الفترة هو التطور الاستخباري للأمن الجنائي، وسرعة تقديم الجناة للمحاكم، وضمان المحاكمة العادلة التي تظهر قوة الدولة وهيبتها تحت سيادة القانون.

 الضبط العشائري والاستراتيجية الوطنية

] تمر عقوبة الإعدام في الأردن بمراحل تقاضٍ معقدة ودقيقة لضمان أعلى درجات العدالة، وتخضع لرقابة محكمة التمييز بشكل وجوبي، وصولاً إلى المرحلة النهائية والأخيرة التي تشترط تصديق جلالة الملك لإصدار الإرادة الملكية السامية بتنفيذ الحكم.

ويرى الشيخ عاصم الحجاوي أنّ الموروث العشائري في الأردن يؤدي دوراً محورياً في صون الدماء ومنع الانتهاكات الانتقامية؛ إذ تتولى الجاهات العشائرية تطويق “فورة الدم ” فور وقوع الجريمة. وتعمل هذه الجهود على تأمين “العطوات الأمنية” والصلح العشائري بين الأطراف المتنازعة تحت مظلة الدولة والوثائق الرسمية. كما يُشرف وجهاء العشائرعلى تطبيق “الجلوة العشائرية” التي تم حصر الترحيل فيها بموجب الوثيقة الوطنية بالقاتل وأبنائه ووالده فقط من الذكور. ويسهم الوجهاء أيضاً في تقدير “الدية” وإصلاح ذات البين، مما يقود إلى التنازل عن الحق الشخصي وتخفيف العقوبات القضائية؛ بوصفها منظومة عرفية تساند القضاء في الحفاظ على السلم الأهلي واستقرار المجتمع.

وفي سياق الإستراتيجية الوطنية، يطرح الدكتور محمود الشمري  وجهة نظره قائلاً: إننا بحاجة إلى استراتيجية وطنية شاملة للسلم المجتمعي، تتكامل فيها أدوار وزارة التربية والتعليم، والمؤسسات الإعلامية، والحقوقية، والأجهزة الأمنية؛ إذ تبدأ الحلول الجذرية من التنشئة على قيم حقوق الإنسان والتسامح، وتترسخ بوجود قضاء مستقل وعادل يقيم سيادة القانون. 

ما بين  كلمات جدي ( ما في حدا رابح في دائرة الدم) وتنهيدة “وفاء” المثقلة وخوفها من جملة ( العين بالعين) ؛ وبين فضاء رقمي يطالب بالقصاص الفوري تحت تأثير صدمة الجريمة، ومعاهدات دولية ترى في الحياة حق لا مساومة عليه وواقع رسمي تحكمها الارقام  والضمانات القضائية الصارمة، يبقى الوعي المرتفع ضد انطباعات تشكلها الخوارزميات والنقرات على الشاشات هو الفيصل. 


Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *