كيف تراجعت الدراما الأردنية من صدارة الشاشة العربية إلى هامش المشهد الدرامي؟
إعداد: سليمان أبو شارب، محمد الطعاني
معهد الإعلام الأردني

بوستر مسلسل أردني، المصدر مؤسسة الحجاوي للإنتاج الفني
في المساء، كان علي (21 عاما) يتصفح منصة رقمية بحثا عن عمل جديد يشاهده، تنقل بين الدراما السورية والمصرية والخليجية وغيرها، قبل أن نسأله إن كان يتابع الدراما الأردنية. توقف قليلا ثم قال متعجبا ” فيه دراما أردنية أصلا؟”.
على النقيض الآخر من المشهد، يجلس والده (56 عاما) أمام شاشة هاتفه يتابع حلقات قديمة من مسلسل أم الكروم على يوتيوب، ويستعيد أسماء أبطال يعرفهم منذ الثمانينات والتسعينات.
“الأعمال القديمة كان فيها روح، وأنا بظلني أدور عليها مهما طلع جديد” يقول أبو علي.
لكن بحسب البيانات فالإنتاج الجديد لم يعد ذلك الشيء الذي يذكر مقارنة مع فترة الثمانينات، حتى يتمكن أبو علي من عقد المقارنة، وبين دهشة علي وحنين أبيه، تظهر مفارقة الدراما الأردنية اليوم، جيل شاب لا يكاد يعرفها، وجيل أقدم ما يزال يعيش على أرشيفها القديم.
تظهر البيانات أعلاه أن متوسط الإنتاج السنوي للدراما الأردنية بلغ نحو 25 عملا سنويا خلال الفترة الممتدة بين 1980 و1990، قبل أن ينخفض إلى 20 عملا خلال التسعينيات. ومع بداية الألفية الجديدة، شهد القطاع تراجعا حادا، إذ انخفض متوسط الإنتاج إلى ستة أعمال فقط خلال الفترة 2001-2010، وهو المستوى ذاته الذي استمر خلال العقدين التاليين.
وتعني هذه الأرقام أن الدراما الأردنية فقدت ما يقارب ثلاثة أرباع طاقتها الإنتاجية مقارنة بفترة ازدهارها، الأمر الذي انعكس مباشرة على حضورها في السوق العربية وعلى قدرتها على المنافسة.
ويبين المخرج عدنان المشاقبة أن هذه المفارقة لا تعكس اختلافا بين جيلين فحسب، بل تكشف تحولا عميقا شهدته الدراما الأردنية خلال العقود الأربعة الماضية. فالأردن الذي كان يوما أحد أهم منتجي الدراما العربية، بات حضوره اليوم محدودا مقارنة بمكانته السابقة، في وقت توسعت فيه الصناعات الدرامية في دول عربية أخرى بشكل غير مسبوق.
ويؤكد مؤلف مسلسل أم الكروم، الكاتب مخلد الزيودي خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، أن الدراما الأردنية كانت حاضرة بقوة على الشاشات العربية. ولم يقتصر حضورها على الأعمال البدوية، بل امتد إلى الدراما الاجتماعية والكوميدية والتاريخية، واستطاعت أعمال أردنية أن تحقق انتشارا عربيا واسعا.
ويضيف الزيودي، أن تلك المرحلة شكلت العصر الذهبي للدراما الأردنية، حيث كانت الأعمال الأردنية تنافس بقوة على الشاشات العربية وتحقق نسب مشاهدة مرتفعة.
عندما أصبحت الدراما الأردنية مرادفا للدراما البدوية

بوستر مسلسل بدوي أردني 2020، المصدر مؤسسة عصام حجاوي للإنتاج الفني
فيديو يرصد جوانب في الدراما الأردنية، مصدر البروموهات مؤسسة عصام حجاوي للإنتاج الفني
راما، وهي طالبة جامعية تبلغ من العمر 19 عاما، تقول إنها لا تعرف من الدراما الأردنية سوى الأعمال البدوية، ولا تتذكر مشاهدة مسلسل اجتماعي أردني حديث خلال السنوات الأخيرة.
ولا يبدو هذا الانطباع بعيدا عن الواقع، إذ تشير البيانات إلى هيمنة واضحة للدراما البدوية على الإنتاج الأردني خلال الفترة (1980-2025) مقارنة بالأعمال الاجتماعية والكوميدية.
ويرى المنتج الأردني عصام الحجاوي أن الدراما البدوية كانت بوابة الانتشار العربي للأردن لعقود طويلة، لكنها تحولت تدريجيا إلى الصورة الوحيدة التي يعرفها الجمهور العربي عن الدراما الأردنية.
وبحسب الدكتور محمد خير الرفاعي من قسم الدراما في جامعة اليرموك، فإن استمرار إنتاج الأعمال البدوية يعود إلى عاملين رئيسيين؛ الأول انخفاض تكلفتها الإنتاجية مقارنة بالأنواع الدرامية الأخرى، والثاني ارتباطها بطلبات وأسواق خليجية كانت تمول هذا النوع من الأعمال لسنوات طويلة.
ويضيف الرفاعي أن هذه المعادلة دفعت المنتجين إلى التمسك بالنمط البدوي بوصفه الخيار الأقل مخاطرة من الناحية الاقتصادية، حتى وإن كان ذلك على حساب التنوع الدرامي.
فجوة عربية تتسع
بينما كانت الدراما الأردنية تتراجع، كانت دول عربية أخرى تعزز حضورها الدرامي بصورة متسارعة.
وتعكس هذه الأرقام حجم الاستثمار الذي شهدته الصناعات الدرامية العربية خلال السنوات الأخيرة، خصوصا مع دخول المنصات الرقمية وارتفاع الطلب على المحتوى العربي.
لكن الصورة تبدو مختلفة تماما عند النظر إلى الحالة الأردنية.
فبين عام 2015 و2025 تراوح الإنتاج الأردني بين عملين و11 عملا فقط سنويا. ورغم تسجيل تحسن ملحوظ بعد عام 2020، حيث ارتفع الإنتاج من خمسة أعمال إلى 11 عملا عام 2023، إلا أن هذا الرقم ما يزال متواضعا مقارنة بالدول العربية الأخرى.
أزمة صناعة لا أزمة مواهب
ترى الممثلة مجد القصص أن المشكلة لا تتعلق بغياب الممثل الأردني أو ضعف قدراته، بل بغياب البيئة الإنتاجية القادرة على استيعاب الفنانين بشكل مستمر.
وتعبر القصص عن أسفها لواقع الدراما الأردنية الحالي مقارنة بالماضي، مشيرا إلى أن القطاع لم يعد يوفر فرص العمل التي كانت متاحة خلال العقود السابقة. وتؤكد أن الأردن ما يزال يمتلك ممثلين وكتابا ومخرجين قادرين على المنافسة عربيا، لكنهم يواجهون تحديا يتمثل في محدودية الإنتاج المحلي.
صناعة صغيرة في سوق كبير

عرض تمثيلي لطلبة الدراما بالجامعة الأردنية، تصوير سند المجالي
لا تكشف أرقام الإنتاج وحدها حجم الأزمة، بل تظهر بيانات التعليم والتمويل والقوى العاملة مؤشرات إضافية على التحديات التي تواجه القطاع.
تقرير إذاعي يرصد جانب التعليم والدراما
فبحسب بيانات وزارة التعليم العالي لعام 2026، لا يتوفر تعليم أكاديمي متخصص في الدراما والفنون المسرحية إلا في جامعتين فقط من أصل 28 جامعة أردنية، هما الجامعة الأردنية وجامعة اليرموك.
ويعني ذلك أن البرامج الأكاديمية المتخصصة تتركز في محافظتي عمان وإربد، بينما تغيب عن معظم محافظات المملكة، الأمر الذي يحد من فرص اكتشاف المواهب وتطويرها.
وفي المقابل تشير شهادات الطلبة في تخصص الفنون المسرحية في كلية الفنون والتصميم في الجامعة الأردنية إلى وجود طاقات شبابية كبيرة تسعى إلى تطوير المسرح الأردني رغم التحديات.
يقول الطالب باسل الديات إن المجتمع لا يزال ينظر إلى التمثيل باعتباره تخصصا غير مجدٍ اقتصاديا، وهذا يجعل كثيرا من الطلبة مترددين في إخبار الآخرين بأنهم يدرسون التمثيل، أما الطالبة سارة الخطيب فتضيف أن الدراما في الأردن لم تصل بعد إلى مستوى الطموح بسبب قلة الإنتاج وضعف الدعم. بينما يرى الطالب عامر الجراح أن هناك جيلا شابا قادرا على التطوير، لكن بحاجة إلى دعم أكبر وإلى بيئة تسمح بتحقيق الأفكار. ويشير الطالب سند المجالي إلى أن شغفه بالتمثيل كان الدافع الرئيس لدراسة الفنون المسرحية، رغم إدراكه للتحديات التي يواجهها هذا المجال في الأردن.
الثقافة على هامش الإنفاق
يبدو التمويل أحد أكثر العوامل تأثيرا في مستقبل الدراما الأردنية.
فبحسب بيانات البنك الدولي لعام 2025، استحوذ قطاع الدفاع على نحو 14% من الإنفاق الحكومي، فيما بلغت حصة التعليم 11.7%. أما الثقافة، التي تندرج الدراما ضمن قطاعاتها، فلم تتجاوز حصتها نحو 0.3% من الإنفاق العام.
ويعلق اسحق ياسين مدير مديرية المسرح والفنون البصرية في وزارة الثقافة أن زيادة الإنفاق وحدها غير كافية لإنقاذ الدراما الأردنية، إذ إن هذه الأرقام تعكس موقع الثقافة ضمن سلم الأولويات الحكومية، وتوضح حجم التحدي الذي تواجهه الصناعات الثقافية والإبداعية مقارنة بقطاعات أخرى.
ويضيف ياسين أن تحويل الدراما إلى صناعة مستدامة يتطلب استثمارات طويلة الأمد، لا تقتصر على دعم إنتاج مسلسل أو اثنين سنويا، بل تشمل بناء منظومة متكاملة للإنتاج والتسويق والتوزيع والتدريب.
لا تتوقف تحديات الدراما الأردنية عند التمويل أو محدودية الإنتاج، بل تمتد إلى بنية سوق العمل الفني نفسه. فبيانات نقابة الفنانين الأردنيين لعام 2025 تظهر أن عدد العاملين في الدراما من غير المنتسبين للنقابة يفوق عدد المنتسبين العاملين فيها.
وتشير هذه الأرقام إلى أن شريحة واسعة من العاملين في القطاع تعمل خارج المظلة المهنية المنظمة، سواء بشكل مؤقت أو موسمي، وهو ما يعكس محدودية الفرص المتاحة وعدم استقرار سوق العمل الدرامي.
ويرى المخرج فراس الريموني أن المشكلة لا تكمن في نقص الممثلين أو الكفاءات الفنية، بل في محدودية حجم السوق نفسه، موضحا أن كثيرا من الفنانين الأردنيين يمتلكون الخبرة والقدرة على المنافسة عربيا، إلا أن قلة الإنتاج المحلي تجعل فرص العمل متباعدة وغير منتظمة.
ويؤدي ذلك إلى ظاهرة أخرى تتمثل في توجه بعض العاملين إلى وظائف ومجالات أخرى لتأمين دخلهم، أو البحث عن فرص في إنتاجات خارج الأردن مثل الفنانين صبا مبارك، إياد نصار، منذر رياحنة، وغيرهم، الأمر الذي يحد من تراكم الخبرات داخل السوق المحلي ويؤثر على استدامة الصناعة الدرامية.
ويضيف الريموني أن أي صناعة إبداعية تحتاج إلى قاعدة واسعة من الممثلين والكتاب والمخرجين والفنيين العاملين بشكل مستمر، وأن الدراما الأردنية تواجه تحديا يتعلق بالحفاظ على كوادرها المهنية بقدر ما تواجه تحدي زيادة عدد الأعمال المنتجة.
تبين مجد القصص أن الإنتاج الدرامي بالأردن مرتبط بحدث مؤقت، وليس بدورة إنتاج مستمرة. بمعنى آخر، الدراما في الأردن تعمل وفق النموذج الآتي:

بينما تتطلب الصناعة الثقافية نموذجا مختلفا كما يلي:

هذه الفجوة ليست تقنية فقط، بل هي جوهر الأزمة، كما تصفها القصص.
خلال إعداد هذا التقرير، واجهت عملية جمع البيانات تحديا آخر يتمثل في غياب أرشيف رقمي وطني شامل يوثق تاريخ الدراما الأردنية.
فلا توجد حتى اليوم قاعدة بيانات رسمية تجمع جميع الأعمال المنتجة منذ نشأة التلفزيون الأردني، الأمر الذي اضطرنا إلى الاعتماد على مصادر متعددة ومتفرقة لبناء قاعدة البيانات المستخدمة في هذا التقرير.
وبحسب ياسين يمثل غياب التوثيق تحديا إضافيا أمام الباحثين والمنتجين وصناع القرار، لأنه يجعل دراسة تطور القطاع أكثر صعوبة
هل يمكن أن تعود الدراما الأردنية؟
يرى الرفاعي أن عودة الدراما الأردنية إلى موقع متقدم ليست مستحيلة، لكنها تحتاج إلى دعم مؤسسي واضح وتبني رسمي مشابه لما حدث في قطاع كرة القدم الأردنية، الذي شهد تطورا كبيرا خلال السنوات الأخيرة بعد زيادة الاستثمار والتخطيط طويل المدى.
وتشير نتائج التحليل البياني والمقابلات التي أجريت لهذا التقرير إلى أن استعادة مكانة الدراما الأردنية تتطلب:
- وضع استراتيجية وطنية طويلة المدى للدراما.
- زيادة الاستثمار الحكومي والخاص.
- دعم كتاب السيناريو والمخرجين الشباب.
- تنويع الإنتاج وعدم حصره في الدراما البدوية.
- توسيع التعليم والتدريب المتخصص.
- إنشاء أرشيف وطني رقمي للدراما الأردنية.
- تعزيز الشراكات مع المنصات الرقمية العربية.
كاروسيل يلخص ما سبق
وبينما يواصل علي البحث عن مسلسل جديد على إحدى المنصات الرقمية، يستمر والده في العودة إلى حلقات أم الكروم القديمة على يوتيوب. ومن شاشة كانت يوما جزءا من الذاكرة العربية، إلى أعمال يستعاد معظمها عبر يوتيوب، تبدو الدراما الأردنية اليوم أمام مفترق طرق حقيقي.
ويبقى السؤال مفتوحا: هل تستطيع الدراما الأردنية أن تستعيد مكانتها العربية من جديد، أم أنها ستبقى حاضرة في الذاكرة أكثر من حضورها على الشاشة؟
انتهى