
محمد الطعاني – معهد الإعلام الأردني
فبل أربع سنوات دخل أحمد ذو الأربعين عاما غرفة العلاج النووي في مركز الحسين للسرطان بعد أن تم تشخيصه بسرطان البروستاتا يحمل خوفا أكبر من المرض نفسه ولسان حاله يقول: هل سأنتصر على السرطان أم سينصر هو علي؟ كانت الخيارات تضيق والأمل يتراجع بعد أن جرب العلاج الكيماوي لكن جرعة من مادة اليود المشع، وجهت بدقة الى الخلايا السرطانية غيرت مسار حياته. اليوم عاد معافى إلى أسرته وعمله وإلى تفاصيل الحياة التي كاد أن يفقدها بعد رحلة معاناة بين الخوف والرجاء والأمل واليأس لتنتهي بانتصار إرادة الحياة لديه وتشبثه فيها. إنها قصة تتكرر مع الآلف المرضى حول العالم عنوانها: الطب النووي الذي لم يعد يكتفي بتشخيص السرطان، بل أصبح شريكا في علاجه وإنقاذ حياة المرضى.
والعلاج النووي فرع من متقدم من الطب النووي يعتمد على استخدام مواد مشعة لتدمير الخلايا السرطانية بدقة عالية ودون إلحاق الضرر بالخلايا السليمة عن طريق الحقن الوريدية او البلع او الاستنشاق لهذه المواد التي تسمى النظائر ما يميز العلاج بالطب النووي عن غيره من الكيماوي او البيولوجي او الاشعاعي انه ” لطيف نسبيا ” على الجسم يستطيع المريض ممارسة حياته بشكل اعتيادي ولا يترتب عليها مضاعفات على حد قول رئيس قسم الطب النووي في مركز الحسين للسرطان الدكتور أكرم الابراهيم.
وعن نسبة نجاحه قال لا توجد نسبة واحدة تنطبق على جميع المرضى، لأن النجاح يعتمد على نوع المرض ومرحلته واستجابة المريض. لكن في حالات مثل سرطان الغدة الدرقية، يحقق العلاج النووي نتائج ممتازة، ويسهم في رفع نسب الشفاء.
فخلال السنوات السبع الماضية تمكن الأردن من إنهاء “تبعية الاستيراد” في علاج سرطان الغدة الدرقية، إذ قفز عدد العينات الطبية الموزعة من 115 عينة فقط في عام 2018 إلى 2,062 عينة في عام 2025 . هذا النمو الهائل، الذي يتجاوز 1600%، يعكس توجهاً طبياً وطنياً متزايداً نحو استخدام الطب النووي كخيار علاجي وتشخيصي أول، وثقة من الأطباء بجودة المنتج المحلي الذي يحقق شروط التصنيع الجيدة، ليتحول مفاعل أبحاثه النووي إلى شريان حياة يومي لآلاف المرضى، وورشة عمل مستمرة تنتج جرعات دوائية إشعاعية تغذي 17 مستشفى ومركزاً طبياً وعلى رأسهم مركز الحسين للسرطان، وصولاً إلى بدء التصدير.

يقول الدكتور الإبراهيم إن الطب النووي من التخصصات الطبية الحديثة والمتطورة بشكل مستمر بشقيه التشخيصي والعلاجي وهو جزء من الطب الدقيق، يؤكد أن الأردن قطع شوطا طويلا في هذا المجال على المستوى العربي والإقليمي، فالبورد الأردني في الطب النووي موجود منذ ثمانينات القرن الماضي ، ما يعني أصالة التخصص في الأردن فلا عجب أن يكون الأردن من أوائل من شخص سرطان البروستاتا عربيا عام 2014 و الأورام الهرمونية العصبية عام 2013 وعالج سرطان البروستاتا عام 2017 الأورام الهرمونية العصبية عام 2014 وعلى المستوى العالمي كانت الأردن أول من نشر صورة لأول مريض بسرطان البروستات يتم علاجه بنظير التيربيوم عام 2022 على حد قول الدكتور الابراهيم، فقصة النجاح الأردنية هي قصة تكاملية بين عدة مؤسسات وطنية من هيئة الطاقة الذرية الأردنية ووزارة الصحة الأردنية ومركز الحسين للسرطان ومديرية الخدمات الطبية الملكية والمستشفيات الجامعية.
وقفت أمام المرآة، كما تفعل كل صباح، لكنها هذه المرة توقفت طويلاً. أصابعها تلاعبت بخصلات شعرها، وعيناها تجولت في وجهها المتعب. بحثا عن آثار الخوف القديم، عن تلك الندبة المذعورة التي لازمتها شهوراً في وجهها وعنقها، فلم تجدها. كانت تنظر إلى امرأة أخرى، خرجت للتو بحكمة أعمق من أي ألم. اختارت ألا تضع اسماً على قصتها، لأنها آمنت أنها ليست بطلة حكاية، بل الحكاية نفسها.
عندما أخبرها الأطباء أن تشخيص مرضها هو “سرطان الغدة الدرقية”، شعرت وكأن العالم توقف للحظة. كلمات كثيرة سمعتها في ذلك اليوم: فحوصات، علاج، جرعات، وخطة طبية طويلة، لكنها لم تستسلم للخوف، بل بدأت تسأل عن كل تفصيل، تريد أن تفهم ما ينتظرها.
شرح لها الأطباء والأخصائيون النفسيون أن علاجها سيكون بالنظائر المشعة، أو ما يسمى بالعلاج النووي، وكيف تصل الجرعة إلى الخلايا المستهدفة بدقة، لتهاجم المرض دون الأنسجة السليمة، وأن العامل النفسي جزء أصيل من خطة العلاج، كانت كل إجابة تمنحها شيئًا من الطمأنينة وتبدد جزءا من مخاوفها، عندها اتخذت قرارا في داخلها وقالت: “لن أستسلم وسأتعافى بإذن الله”
وجاء يوم العلاج دخلت قسم الطب النووي في مركز الحسين للسرطان بخطوات هادئة، لكنها كانت تحمل في قلبها إيمانًا أكبر من خوفها، استقبلها الفريق الطبي بابتسامة وكلمات بسيطة جعلتها تشعر بأنها ليست وحدها في هذه الرحلة.
مرت الأيام، وتوالت المراجعات والنتائج، تتلقى التعليمات .. هذا مسموح.. وذاك ممنوع.. وتنفذها بحذافيرها حتى جاء اليوم الذي سمعت فيه الكلمات التي انتظرتها منذ ثلاث سنوات ” شفاء تام ولا أثر للسرطان “، عندها ابتسمت، وهي تستحضر شريط ذكريات رحلة العلاج وحمدت الله على كل خطوة أوصلتها إلى تلك اللحظة.
اليوم، عندما تقف أمام المرآة، لا ترى آثار المرض في الوجه والرقبة، بل ترى قصة صبر وأمل وإرادة وتدرك أن العلاج النووي لم يكن لينجح لولا قوة إرادتها وتشبثها بالحياة، حيث يعود فيها الشغف والحماس.

من الاعتماد على الخارج إلى الاكتفاء الذاتي
يقول الدكتور خالد طوقان رئيس هيئة الطاقة الذرية الأردنية قبل عام 2018، كان المشهد مختلفاً تماماً. كانت المستشفيات الأردنية تُغلق أبوابها أحياناً أمام مراجعيها من مرضى سرطان الغدة الدرقية بسبب نقص مادة اليود-131 ، الذي يعتبر السلاح الأساسي لعلاج هذا النوع من السرطان. الاعتماد على الاستيراد كان يعني تكاليف باهظة فتكلفة استيراد جرعة واحدة من اليود-131 تتراوح بين 500 و1000 دولار أميركي، تتضاعف مع تكاليف الشحن السريع المطلوب بسبب قصر عمر النظير والبالغ 7 أيام، فضلا عن مخاطر وصول الجرعات منتهية الصلاحية، نتيجة تأخر الشحن ما يؤدي إلى فقدان فعاليتها قبل وصولها إلى المريض، وكان الأمر يتطلب أحيانا إغلاق طريق كامل من اربد الى عمان لتأمين وصول الجرعات إلى مستشفى الملك المؤسس في الرمثا. هذا الوضع انتهى تماماً، ففي غضون نصف ساعة فقط يمكن تأمين الجرعة لأي مستشفى في الأردن.
وأكد أنه منذ نهاية 2018، بدأ المفاعل البحثي بتزويد جميع مراكز الطب النووي الأردنية السبعة عشر بهذا النظير مجاناً أو بتكلفة رمزية، مما وفر على القطاع الصحي ملايين الدولارات سنوياً. هذا التوفير سمح للمستشفيات، مثل الخدمات الطبية الملكية التي جددت اتفاقيتها مع هيئة الطاقة الذرية مؤخراً بتوريد اليود المشع وتقديم الدعم الفني في الصيدلية الإشعاعية، بإعادة توجيه ميزانياتها نحو استيراد أدوية أخرى أو تطوير بنيتها التحتية، على حد قول مديرها العميد الدكتور سهل الحموري.

المفاعل النووي الأردني للبحوث والتدريب قصة نجاح وطنية
يقع المفاعل النووي الأردني للبحوث والتدريب داخل حرم جامعة العلوم والتكنولوجيا الأردنية في الرمثا، وقد دُشّن عام 2010 وهو مفاعل أبحاث حراري بقدرة 5 ميغاواط، صُمّم ليُطوّر مستقبلاً إلى 10 ميغاواط.
يضم المفاعل مركزا متقدما للتدريب والبحث العلمي إلى جانب مرافق حديثة للإشعاع والتجارب تشمل منافذ لخطوط الحزم النيوترونية، ومختبرات الخلايا الساخنة، ووحدة إدارة النفايات المشعة، وجهاز محاكاة مفاعل كامل الحجم. ويُشغّل وفق معايير السلامة الصادرة عن الوكالة الدولية للطاقة الذرية، مع أنظمة تحكم حديثة، ويخضع لمراجعات دورية، يعمل في المفاعل قرابة 130 موظفا موزعين بين مهندس نووي وميكانيك وكهرباء وتحكم وفيزيائيين وكيميائيين وفنيين ومتخصصين في الاستخدامات التطبيقات النووية والسلامة النووية والحماية والاشعاعية والجودة والصيانة والأمن النووي.
وعن أهميته الوطنية، قال مدير المفاعل الدكتور مجد الهواري إنه يُعد مركز التدريب النووي الأردني مورداً دولياً يعزز التعاون في مجال التكنولوجيا النووية السلمية، ويضع الأردن في موقع الريادة الإقليمية في البحوث والتدريب النووي وفي انتاج النظائر.
وعما يميزه عن مفاعلات توليد الكهرباء قال الهواري هو مخصص للبحث العلمي، وإنتاج النظائر المشعة الطبية والصناعية، وتدريب الكوادر المختصة والطلاب، ودعم التطبيقات النووية في الأبحاث والصناعة، ولا يُستخدم لتوليد الكهرباء أو تحلية المياه، بمعنى أنه في المفاعل البحثي تستخدم النيوترونات الناتجة من الإنشطار النووي في التطبيقات المذكورة أعلاه ويتم التخلص من الحرارة بالتبريد، في حين في مفاعل الطاقة تستخدم الحرارة الناتجة من ذاك الإنشطار لتوليد بخار ماء لتحريك توربينات توليد الكهرباء.
وبشرح مبسط عن آلية عمله قال الهواري: في داخله تنشطر أنوية اليورانيوم (الوقود المخصب)، فتُطلق نواتج التفاعل الرئيسية وهي حرارة ونيوترونات. تُزال الحرارة بواسطة نظام تبريد، بينما تُستخدم النيوترونات لتشعيع مواد محددة وتحويلها إلى نظائر مشعة نافعة في تشخيص الأمراض وعلاجها، إضافة إلى الاستخدامات الصناعية والبحثية.
وعن هيكلة انتاج النظائر فقد وضح رئيس قسم إنتاج النظائر المشعة في المفاعل الكيميائي محمد الخيري أنها تمر عبر ثلاثة فرق هي فريق إنتاج النظائر مسؤول عن تحضير النظائر المشعة، والعمل على تطوير أنواع جديدة، وفريق مراقبة الإنتاج لضمان مطابقة المنتج للمواصفات الدولية، وفريق التعبئة والشحن مهمته تغليف النظائر المشعة وإدارة عمليات النقل.
توضيح الخلط السائد بين إنتاج النظائر ومشروع اليورانيوم والفرق بينهما
يشير طوقان إلى أن هناك خلطاً شائعاً بين مشروع إنتاج النظائر ومشروع استخراج اليورانيوم.. فمشروع اليورانيوم هو مشروع تعديني يهدف إلى استخراج المادة الخام التي تُستخدم كوقود للمفاعلات النووية لتوليد الطاقة، بينما إنتاج النظائر الطبية يتم عبر تشعيع مواد معينة داخل المفاعل لاستخدامها في التشخيص والعلاج. وأوضح أن البرنامج النووي الأردني يشمل عدة مشاريع أساسية تحت مظلة هيئة الطاقة الذرية هي

وعن عملية إنتاج النظائر قال رئيس قسم الحزم النيوترونية في المفاعل المهندس محمود سعيفان إن العملية تبدأ بوضع مادة مستهدفة حسب النظير المراد إنتاجه وتكون في بدايتها مستقرة إشعاعياً داخل المفاعل لتتعرض للنيوترونات فتمتصها هذه المادة، وتتحول إلى نظير مشع. بعد ذلك تُنقل إلى مختبرات أو خلايا ساخنة متخصصة، حيث تُحضر حسب البروتوكول العلمي المعد لذلك، بعد تنقية المنتج وتجهيزه للاستخدام الطبي، وتُجرى عليها اختبارات الجودة والسلامة. ثم تُعبأ بصورتها الدوائية المناسبة وتُنقل إلى المستشفيات داخل عبوات دروع أمنة لاستخدامها في التشخيص أو العلاج عبر استخدام الإشعاع الذي ينطلق منها لفترة زمنية معينة قد يستغرق عدة ساعات أو أكثر بحسب الإنتاج والنشاط المطلوب وفقاً للنظير المراد انتاجه، وقد يستغرق المسار الكامل من التشعيع حتى جاهزية الجرعة نحو عدة ساعات إلى عدة أيام.

ومن هذه النظائر المنتجة محليا:

كما يقدم المفاعل خدمات تشعيع لعدة عناصر داخل المفاعل. تُجهّز وتُشحن إلى الخارج، عبر شركات دولية في أوروبا وكندا، نظرا لجودة منتجات المفاعل البحثي على حد قول رئيس قسم إنتاج النظائر المشعة في المفاعل الكيميائي محمد الخيري. ومع ذلك مازال هناك نظائر أخرى تتطلب سيكلوترون أو مسارعات مختلفة لا يمكن تغطيتها بالكامل في المفاعل البحثي
الفرق بين النظائر التي ينتجها المفاعل وتلك التي تحتاج إلى سيكلوترون؟
فرق سعيفان بين النظائر المنتجة بواسطة المفاعل وبين تلك المنتجة في أجهزة السيكترون داخل المستشفيات بقوله إن المفاعل يستخدم النيوترونات لإنتاج النظائر بعمر 7 أو 8 أيام وهي تستخدم في التشخيص والعلاج أما السيكلوترون فيستخدم جسيمات البروتونات ويسرعها لتصطدم بمادة مستهدفة لإنتاج نظائر مشعة قصيرة العمر من دقيقتين إلى ساعتين فقط وتستخدم في أجهزة التصوير النووي لشخيص الأمراض وليس للعلاج، حيث ينتج نظائر مشعة قصيرة العمر (مثل الفلور-18)، ونظراً لسرعة تحللها، يتم غالباً تصنيعها داخل المستشفيات أو في مراكز قريبة جداً منها، كما أن هناك نظائر لا يمكن أن تنتج إلا بالمفاعل النووي.

أرقام قياسية في الإنتاج المحلي
من جانبه قال الدكتور طوقان نظرا لجودة المنتج الأردني من النظائر المشعة وفق المعايير الدولية زاد الطلب عليه دوليا، مؤكدا التزام الهيئة بتعزيز التطبيقات السلمية للطاقة النووية في قطاع الرعاية الصحية وتلبية الاحتياجات الطبية الوطنية والإقليمية، بالتعاون مع مديرية الخدمات الطبية الملكية التي تزود المفاعل بالخبرات المتعلقة في مجال الصيدلة الشعاعية، إذ تعتبر الخدمات الطبية الملكية أول مؤسسة طبية اردنية أدخلت أجهزة التصوير المقطعي والاشعاعي والمسرعات في خدمة مرضاها عام 2003 على حد قول مديرها العميد الدكتور سهل الحموري .
قفزة في الطلب تعكس الثقة بالمنتج المحلي
الأرقام الموثقة من قبل المفاعل تُظهر قصة نجاح. فمنذ بدء الإنتاج وحتى نهاية عام 2025، تم إنتاج وإرسال ما مجموعه ( 507.99 ) كوري من اليود المشع I-131 إلى المستشفيات والمراكز الطب النووي في الأردن وبإجمالي 12667 عينة طبية. كما تُظهر قدرة الأردن على الإنتاج الفائق لهذه التقنيات. فخلال سبع سنوات فقط، قفز عدد العينات الطبية الموزعة من 115 عينة فقط في عام 2018 إلى 2,062 عينة في عام 2025
انعكاس اقتصادي بتخفيض التكلفة على المريض والدولة
النجاح يتجاوز حدود الوطن للتصدير الإقليمي
اللافت في البيانات أن النجاح الأردني لم يعد محلياً فحسب، إذ كشف الملف الصادر عن الهيئة أن الأردن بدأ فعلياً تصدير اليود-131 إلى المملكة العربية السعودية وسوريا، وهناك مفوضات مع العراق لتصديرها لهم، كما يُصدّر الهولميوم-166 إلى أوروبا، فقد تعاقد شركة RMS الطبية العالمية مع الأردن لتوريد اليود-131 والهولميوم-166 عالي الجودة.
هذا التحول يضع الأردن على خريطة إقليمية من الدول المنتجة للنظائر المشعة تشاركه مصر عربيا وإيران إقليميا، بعد أن نقل قدرة المفاعل النووي من التشغيل البحثي إلى المستوى التجاري، على حد قول الدكتور الهواري.
مركز الحسين للسرطان: نموذج للتميز الإقليمي
قال الدكتور أكرم الإبراهيم إن قسم الطب النووي في المركز حاصل على اعتماد الجمعية الأوروبية للطب النووي كمركز تميز، فهو يُجري أكثر من 12 ألف إجراء سنوياً. هذه الاعتمادات الدولية، بالإضافة إلى كونه مركزاً تدريبياً معتمداً من الوكالة الدولية للطاقة الذرية ( مركز ارتكاز منذ عام 2024)، تعني أن اليود-131 الأردني يُستخدم في أعلى مستويات الجودة العالمية، في نفس المراكز التي تدرب أطباء من جميع أنحاء العالم.
يقول مدير خدمات الطب النووي في المركز ضياء جعيري يجب توفر كادر رديف لطبيب الطب النووي يتمثل في الصيدلاني المشع أو الكيمائي المشع وفيزيائي الطبي النووي بالإضافة لفني التصوير وهم مسؤولون عن عملية تحضير المواد المشعة وحقن المريض فيها ومراقبة توزيع المادة في الجسم عبر أجهزة التصوير لتقدير الحالة المرضية.
مستشفى الملك المؤسس التعليمي في الشمال

دور هيئة الطاقة الذرية في دعم القطاع الطبي
بين طوقان أن دور الهيئة لا يقتصر على توفير النظير المشع، بل يمتد إلى تمويل وشراء الأجهزة المتطورة لأقسام الطب النووي بنظام مناصفة الكلفة بين المستشفى والهيئة بالتعاون مع الوكالة الدولية، حيث وردت الهيئة جهاز المسرع الخطي لمركز الحسين للسرطان وزودت جهاز PET/CT لمستشفى الجامعة الأردنية بقيمة تقريبية تبلغ 1.5 مليون دولار، ورفدت مستشفى البشير بمعظم تجهيزاته الأساسية، من مسرعات نووية وكاميرات التصوير المتخصصة.، وسهلت حصول وزارة الصحة على منح ودعم أوروبي يقدر بنحو 8 ملايين دولار على مدار السنوات الست الماضية، ودربت الكوادر الطبية عبر إرسال طواقم متخصصة في بعثات تدريبية إلى أوروبا وأمريكا، كما يوجد حاليا طلب لتزويد مستشفى الملك المؤسس بجهاز التصوير المقطعي، وأجهزة طب نووي أخرى.
تحديات البداية
على الجانب الآخر، قالت الاستشارية في مركز الحسين للسرطان الدكتورة علا الرشيد بالرغم من النجاحات التي حققها الطب النووي في الأردن تظل هناك تحديات تواجه هذا القطاع الحيوي تتمثل في تركيز للخدمات المتقدمة في العاصمة عمان، مع نقص في أجهزة التصوير المتطورة مثل الماسحات المقطعية، والرنين المغناطيسي في المستشفيات الحكومية خارج المركز، خاصة في المحافظات الشمالية والجنوبية.
رحلة الأمل في ساعات الفجر الباردة، حيث لا يزال ظلام الكرك سائدا، يستيقظ أبو أحمد الطراونة قبل أذان الفجر. فابنه الصغير، ذو العشرة أعوام، يرقد بجانبه، يتنفس بصعوبة، وجسده النحيل يئن تحت وطأة مرض “سرطان الدم”، كلمة ثقيلة كجبال الكرك نفسها، لكنها أصبحت رفيقة دربه، يمسح أبو أحمد وجه ابنه بيده، ثم يبدأ رحلته التي يعرف تفاصيلها عن ظهر قلب. الطريق إلى عمان، إلى مركز الحسين للسرطان، إنها 120 كيلومتراً من القلق.
الساعة السادسة صباحاً، موعد انطلاق السيارة،
يجلس هو وابنه وزوحته في المقعد الخلفي، زوجته التي تحاول إخفاء دموعها، والصغير الذي يضحك أحياناً رغم الألم. “يا رب يسر ولا تعسر”، يتمتم أبو أحمد.
الطريق الصحراوي، بمنعطفاته وخطورته، أصبح مألوفاً .. كل مطب، كل محطة بنزين يعرفها.
المعاناة تتجدد كل رحلة: ثمن أجرة النقل، ثمن الطعام على الطريق، ثمن السكن وثمن الإرهاق الذي ينهش جسده. يصلون إلى مركز الحسين للسرطان حوالي الثامنة صباحاً. المبنى الأبيض الكبير، الذي يحمل أملاً ووجعاً في آن واحد. هنا يلتقي ابو أحمد بعشرات الآباء والأمهات من محافظات الجنوب: من معان، من الطفيلة، من الشوبك. وجوه مرهقة، عيون تبحث عن بصيص أمل. الجرعة لا تستغرق أكثر من ساعتين. لكن المشكلة ليست في الجرعة، بل فيما بعدها. “لا يمكننا العودة اليوم”، يشرح أبو أحمد، “ابني يتعب كثيراً بعد الجرعة، يحتاج للراحة والمتابعة”.وهنا تبدأ المعاناة الحقيقية: البحث عن شقة مفروشة وإيجارها اليومي قد يصل إلى 30 ديناراً، وأحياناً أكثر.
وفي اليوم التالي يعودون أدراجهم إلى الكرك. الرحلة العكسية أصعب، فالتعب تراكم، الصغير ينام في حضن أمه، والطريق الطويل يمر أمام عيونهم كفيلم حزين. في الكرك، يصل أبو أحمد لبيته البسيط، لكن قلبه يبقى معلقاً بين الجرعة التالية، وبين الحلم البعيد: مركز علاجي في الجنوب.
في زاوية الغرفة، تقف حقيبة صغيرة جاهزة دائماً. فيها بعض الملابس، والأوراق الطبية، وعلب الدواء. التي ترافقهم في كل رحلة، وتحمل معها دعوات الآلاف من أهل الجنوب الذين ينتظرون بصيص أمل في مركز علاجي في الجنوب ينهي هذه المعاناة. لكن حتى ذلك الحين، سيبقى ابو أحمد وابنه وأمهات وآباء آخرون يقطعون الطريق، حاملين على أكتافهم أحلاماً بالمركز العلاجي، وأملا في الشفاء.
كما أن عدد الكوادر البشرية المتخصصة لا يزال محدوداً، حيث لا يتجاوز عدد أطباء الطب النووي في الأردن الـ 42 طبيباً موزعين على القطاعات كافة، مما يشكل ضغطاً على القدرة الاستيعابية لهذه المراكز.
الطموحات القادمة في التصنيع الدوائي
أشار الهواري إلى أن الأردن يستعد لإنتاج التكنيشيوم-99، وهو “الماسح الضوئي” النووي، وبقدرة إنتاجية تصل إلى 30 ضعف المولدات التقليدية. حيث يستخدم في 80% من فحوصات الطب النووي حول العالم لتشخيص أمراض القلب، والعظام، والكلى وفي التصوير النووي، ويعتبر معقم طبيًا لبيئة الإنتاج وخط التصنيع وبالتالي ضمان المنتج للمعايير الطبية ويعمل المفاعل حالياً على تطوير خط آلي بالكامل لإنتاجه، لتقليل تعرض العاملين للإشعاع.
كما يستعد المفاعل لبدء إنتاج اللوتيتيوم-177 بانتظام، وهو العلاج الحالي لسرطان البروستاتا المقاوم للعلاج الهرموني والأورام العصبية الصماء، حيث يصدر جسيمات بيتا منخفضة الطاقة، مما سيفتح آفاقاً جديدة لمرضى لم تكن أمامهم خيارات علاجية فعالة من قبل، كما سيتم تشعيع نظير اللوتيتيوم -176 داخل المفاعل لإنتاج نشاط إشعاعي عال للعلاج الطبي.
أثبتت التجربة الأردنية أن الاستخدامات السلمية للطاقة الذرية ليست مجرد نظريات علمية بعيدة، بل حقيقة ملموسة تمس حياة الناس بشكل يومي. فالمفاعلات البحثية، تظل قيمتها الحقيقية في بصمتها الواضحة على صحة الإنسان، ودورها في فتح آفاق البحث العلمي، وصقل الكفاءات الوطنية، ومنح المملكة استقلالية متزايدة في المجالات الطبية والتقنية. وكما يصفها الدكتور خالد طوقان، فإن العلوم النووية تمثل “قمة القمة” في مسيرة التطور العلمي، حين تُسخَّر لخدمة المجتمع.
اليوم، يملك الأردن بنية تحتية متقدمة في الطب النووي، بفضل ما تم تخصيصه من استثمارات، وشراكات دولية، وبرامج أكاديمية متخصصة. لكن الطموح لا يتوقف عند هذا الحد؛ فالمرحلة القادمة تحتاج إلى توسيع دائرة الخدمات، وإعداد المزيد من الكوادر المؤهلة، ودعم البحث العلمي، وضمان وصول علاجات الطب النووي إلى كل مريض. وإذا استمر هذا التوجه، فسيصبح الأردن نموذجًا إقليميًا يُحتذى به في توظيف التكنولوجيا النووية لخدمة الإنسان، وقصة نجاح تُلهم الدول النامية لبناء أنظمة صحية أكثر تطورًا واستدامة.
المفاعل البحثي الأردني.. إنجازات نووية بآثار صحية وعلمية
من التشخيص إلى العلاج.. الطب النووي يعزز خدمات الرعاية الصحية في الأردن