تصوير دانا هاكوز / عمان
“والله الواحد حاسس إنه مربط خايف يكبس أي كبسة يعمل اشي غلط”، بهذه العبارات وصف سمير صاحب الـ74 عام شعوره وهو جالس على كنبة غرفة الجلوس وبيده هاتفه الذكي يقلبه في حيرة محاولاً تحويل مبلغ مالي ثمن لقطعة طلبها عبر متجر إلكتروني من خلال تعبئة معلومات بطاقته فإصطدم بالكثير من الخيارات والخطوات التي كانت أشبه بأحجية يراهن من خلالها على مقدرته على إكمال عملية الدفع دون الوقوع في خطأ قد يكلفه ثمناً مضاعفاً لما اشتراه بالإضافة لوجود مخاوف لديه من سرقة معلومات بطاقته في حال كان الموقع غير موثوق، لذلك يفضل انتظار حضور أحد أبنائه للمساعدة في إتمام العملية.
سمير الذي يسكن وحده في عمان منطقة مرج الحمام ويزوره أبناؤه بشكل يومي، ليس الزبون الوحيد على أبواب الحيرة اليومية التي باتت تلف استخدام التكنولوجيا التي تسيير الكثير من الأمور الحياتية، فالدفع الإلكتروني وحجز المواعيد لدى الطبيب وبرمجة “الرسيفر” أو حتى تشغيل مكنسة روبوت من خلال تطبيق، كل هذه المهام التي قد تبدو بسيطة للكثير من الناس، لا بل أنها وجدت لتسهيل الحياة، إلا أنها تشكل عائق رقمي أمام من ليس لديهم المعرفة الكافية بإستخدام التكنولوجيا، في الوقت الذي كان سمير من أوائل الأشخاص شهدوا دخول التكنولوجيا إواستعملوا الحاسوب وأخذ دورات متخصصة للعمل عليه منذ عام 1994 أثناء عمله في أحد الوزارات.
إن التطور التكنولوجي جاء وهو يحمل في جعبته الكثير من الايجابيات التي لا يمكن التغاضي عنها، والاستمرار في هذا التطور بات أمرًا حتميًا، فالتحول الرقمي لم يعد مجرد فكرة أو مشروع ريادي تتبناه جهة معينة، بل أنه دخل في كل تفاصيل الحياة بما في ذلك أعمال المؤسسات والحكومات، وما هي إلا مسألة وقت حتى تتحول كافة المعاملات الخاصة بنا إلى معاملات إلكترونية رقمية الأمر الذي سيختصر علينا الكثير من الوقت والجهد والتكاليف.
فقد بدأنا بالفعل نستخدم الهوية الرقمية، والرخصة الإلكترونية، وتطبيق سند الذي أصبح نافذتنا الرقمية على الخدمات الحكومية، فقد تجاوز عدد مستخدمي الهوية الرقمية المفعلة من خلال تطبيق سند 2.6 مليون شخص حتى نهاية الربع الأول من عام 2026، كما أن الأردن يسير قدماً نو التحول الرقمي، حيث حقق مؤشر نضوج الخدمات الحكومية الإلكترونية والنقالة عام 2025 ارتفاعاً وصل إلى 71% أي بزيادة مقدارها 8 نقاط مئوية خلال عام واحد، ومحققاً بذلك أعلى نتيجة له خلال الأعوام الأربعة الأخيرة.
كما ارتفعت نسبة انتشار الإنترنت الثابت عريض النطاق، وهو أحد المؤشرات المهمة التي تعكس قدرة البنية التحتية على مواكبة واستدامة تحقيق النضج. الرقمي.
هذا التطور وضع كبير السن كغيره في سباق مع مواكبة التكنولوجيا، إلا أن لكبار السن رأي في هذا الموضوع، حيث أشارت إحصائيات منشور في موقع zipdo التعليمي في عام 2026 بعنوان احصائيات كبار السن والتكنولوجيا إلى أن 28% من كبار السن في أمريكا يذكرون الخوف كعائق أمام استخدامهم للتكنولوجيا و 27% منهم يشيرون إلى صعوبة استخدام التقنية كسبب رئيسي لعدم اتصالهم بالإنترنت.
أما في الأردن، أظهر مسح استخدام تكنولوجيا المعلومات في داخل المنازل لعام 2023 أن نسبة 8.7% من كبار السن في الفئة العمرية (55-64) سنة يستخدمون الحاسوب في حين بلغت هذه النسبة 3.7% ممن تجاوزت أعمارهم 65 .
فهل يعاني كبار السن من نفس المشاكل التقنية سابقة الذكر؟
“بخاف أعمل اشي غلط يحول لناس ثاني” هكذا قالته أم رامي السيدة السبعينية عند سؤالها عن سبب عدم شرائها حاجاتها بالطرق إلكترونية واستخدام أدوات الدفع الرقمي إذ أنها تفضل أن تزور الأسواق لشراء حاجاتها والدفع مباشرة، وإن كانت تعلم أن هناك طرق أسهل للحصول على مشترياتها وتستخدمها أحياناً عند وجود أحد أبنائها لمساعدتها في عملية الدفع.
أم رامي لم تكن يومًا شخص يعتمد على غيره لإنجاز المهام بل إنها اعتادت على تقديم المساعدة للغير، إذا أنها كانت تعمل كمدرسة للغة العربية لغير الناطقين بها في أمريكا قبل قرابة الـ ٤٠ عام، فوجدت نفسها فجأة اسيرة لما يقدمه لها ابناؤها من مساعدة، الذين قد يكونوا منشغلين بأعمالهم وحياتهم.
أما نانسي السيدة الستينية التي كانت تعمل في مجال التصميم الداخلي وتسكن وحدها في منطقة مرج الحمام في عمارة سكنية فيها ثلاثة من أخواتها المقاربات لها بالسن تقول أنها تجد صعوبة في الخطوات الطويلة والمتكررة، وحاجتها لاستخدام أكثر من تطبيق لإتمام عملية توصيل الأدوية من المستشفى الذي تتعالج فيه، حيث يتوجب عليها إعداد الطلب بتفاصيل كثيرة في تطبيق ثم الدفع من خلال تطبيق كليك وبتفاصيل لا تقل تعقيداً عن الأول، وتقول: “المشكلة انه كل مرة بده الواحد يرجع يعبي كل معلوماته من جديد وفي حقول مطلوبة ما بكون مفهوم شو المطلوب منها بالضبط مثل الرقم المرجعي الي بيطلع بالآخر الرقم الوطني”.
وتضيف نانسي أنها في كل مرة تحاول تجربة خدمة إلكترونية جديدة تفضل وجود أحد من أبناء أخواتها لمساعدتها، بالرغم من أنها تقوم بعمل الخطوات وتعبئة النماذج بنفسها حتى تتمكن من إجراء العمليات ودون مساعدة لاحقاً؛ إلا أن وجود شخص للمساعدة يسهل عليها فهم المطلوب من الحقول المختلفة.
محمد ذا 64 عام وهو مهندس معماري متقاعد من احد المؤسسات -يعيش مع زوجته وابنته العشرينية في منطقة ابو السوس إلا أن إبنته تقضي معظم وقتها بين الجامعة والعمل- يقول أنه من مواكبي التطورات التقنية، إذ أن هاتفه لا يخلو من تطبيقات مثل حكيم وسند وكليك وتطبيق البنك وهو متابع لمواقع التواصل الاجتماعي مثل فيس بوك وانستجرام واكس وماسنجر وغيرها من تطبيقات بالإضافة لاستخدامه أدوات الذكاء الاصطناعي مثل الـ chat gpt، إلا أنه يجد صعوبة في مجاراة التغيرات الكثيرة التي تحدث على واجهات التطبيقات المختلفة ويقول: “ما بلحق الواحد يتعود على مكانها ولا هي متغيرة، وبصير بده يدور عليها من جديد، فيس بوك مثلا كل يومين بتلاقيه مغير شغلة.” فيعود في كثير من الأوقات لسؤال ابنته عبر الهاتف ويضطر أحيانا إلى انتظار عودتها لتشرح له كيفية إدارة الأمور.
هذه المشكلات التي تبدو للبعض بسيطة إلا أنها تشكل عائقا أمام الاستقلالية الرقمية لكبار السن الأمر الذي يجعله بحاجة دائمة لوجود شخص لدعمه ومساعدته في تسيير أموره، في حين أنه قد يحتاج لنوع من الخصوصية التي كادت أن تختفي مع ازدياد الاعتماد على تقديم الخدمات بطرق رقمية. فما هو الحل؟ وكيف يمكن إعادة الاستقلالية والخصوصية لكبير السن القادر؟
قالت السيدة خديجة علوين / مديرة الاتصال والإعلام في المجلس الوطني لشؤون الأسرة ان المجلس أولى فئة كبار السن أولوية كبرى منذ بداية تأسيسه في عام 2001 إذ أنه قام بإعداد الإستراتيجية الوطنية الأولى لكبار السن في عام 2008 ولها خطتها التنفيذية، ثم قامت بتحديثها في عام 2017 من خلال المجلس واللجنة الوطنية لكبار السن، وصولا إلى التحديث الأخير في عام 2024 والتي شملت خطتها التنفيذية الأعوام من 2025 لغاية 2030، وتأتي هذه الاستراتيجيات كانعكاس لإيلاء قضايا كبار السن أولوية كبرى بهدف الارتقاء بالخدمات المقدمة لكبار السن بكافة الجوانب صحية اجتماعية اقتصادية وغيرها من محاور المشكِّلة لمحاور الاستراتيجية.
وأضافت السيدة علوين أنه فيما يخص كبار السن والرقمنة فقد قام المجلس الوطني لشؤون الأسرة مع البنك المركزي بعقد ورشات توعوية خاصة بالأمن الرقمي مستهدفة كبار السن.
بهذا الخصوص قال السيد أسامة الزعبي مساعد مدير تنفيذي بالوكالة في وحدة الاستجابة للحوادث السيبرانية للقطاع المالي والمصرفي في البنك المركزي، أن البنك بالتعاون مع المجلس الأعلى لشؤون الأسرة وعدد من الجمعيات عقد ورشات عمل توعوية لكبار السن حول التثقيف المالي والرقمي استهدف أكثر من 100 شخص في مختلف المحافظات، كما أنهم يستخدمون السوشيال ميديا لنشر الوعي بالأساليب الاحتيالية التي قد يتعرض لها كبار السن مثل حملة #غلطة_الشاطر ونشر اعلانات توعوية على شاشات الطرق والمعبر والترخيص ومؤسسة المتقاعدين العسكريين وغيرها من الجهود الإعلامية التوعوية
وأضاف أن الجهود التوعوية وحدها لا تكفي بل أن الحذر يجب أن يكون سيد الموقف في كافة التعاملات المالية إذ أن عمليات الاحتيال الرقمي تتم من خلال الهندسة الإجتماعية والتي قد تربك المستخدم وتجعله عرضة للإحتيال، كما أنه لا يمكن وضع أي قيود على تعاملات الأفراد الشخصية إذ يعد ذلك انتهاكا الخصوصية.
من جانبها قالت الآنسة شروق هلال الناطق الإعلامي بإسم وزارة الاقتصاد الرقمي والريادة أنه فيما يتعلق بكبار السن، تؤمن الوزارة بأن الشمول الرقمي يشكل أحد الركائز الأساسية للتحول الرقمي، ويقوم على ضمان وصول جميع أفراد المجتمع إلى الخدمات الرقمية والاستفادة منها بسهولة ودون تمييز، بما في ذلك كبار السن. وانطلاقًا من ذلك، تعمل الوزارة على تطوير خدمات حكومية رقمية سهلة الاستخدام، بالإضافة لأنها تحاول تعزيز الوعي والمهارات الرقمية، بما يساعد كبار السن على مواكبة التحول الرقمي والاستفادة من الخدمات الإلكترونية بثقة واستقلالية.
وأضافت هلال أن الوزارة توفر الدعم والمساندة من خلال مراكز الخدمات الحكومية المنتشرة في مختلف محافظات المملكة، حيث يقدم الموظفين المساعدة المباشرة لكبار السن وجميع المواطنين في تفعيل الهوية الرقمية على تطبيق سند، وشرح طرق استخدامه، وإنجاز معاملاتهم الحكومية الإلكترونية، إضافة إلى تقديم الإرشاد اللازم للاستفادة من الخدمات الرقمية.
كما قمت الوزارة بإفراز عدد من البنود الخاصة بتقديم التوعية والرعاية الرقمية لكبار السن خلال الاستراتيجية الوطنية للتحول الرقمي والخطة التنفيذية 2026-2028.
لا يقتصر دور تقديم الرعاية الرقمية على الجهات الحكومية فقط بل أن للأسرة دور كبير ومهم في تقديم هذه الرعاية بإعتبارهم غالبًا النواة الأولى ودائرة الإتصال الأقرب لكبار السن. فهل هي قادرة على القيام بهذا الدور بالشكل السليم ؟
قال رائد مهيار أخصائي الأمن الرقمي في الجمعية الأردنية للمصادر المفتوحة JOSA وصاحب مركز الثقافة الرقمية، أن أول فكرة تعرض عادة خلال الجلسات التدريب التي يعقدها بخصوص تعرض كبار السن لتهديدات رقمية هي أين الأبناء عن مساعدة اهاليهم لتخطي هذه التحديات وتجنب هذه المشكلات؟ “برأيي الثقافة الرقمية والوعي بهاي التهديدات هي مسؤولية فردية.” قال رائد، إذ أن لهؤلاء الأبناء تجاربهم الشخصية ومسؤولياتهم وتحدياتهم، كونهم يخوضون أيضاً رحلة التعلم لهذه الثقافة الرقمية الحديثة على الجميع، ولا يغفل مهيار أن هناك مسؤولية على مقدم الرعاية بتوعية كبار السن من هذه الناحية، إلا أن لا يمكن لهم التحكم بكافة المتغيرات وعليه فهي مسؤولية فردية على كل شخص تثقيف نفسه رقميًا بنفسه.
وأضاف مهيار بحسب خبرته في هذا المجال أن المشاكل الرقمية عادةً تنقسم إلى نوعين، النوع الأول يتعلق بالهاتف نفسه وبرامج الأمان أو تفعيل أدوات الحماية على التطبيقات المختلفة، والثاني في كيفية التعامل مع ما هو على الهاتف من رسائل او محتوى قد يعرض كافة الفئات بما فيها كبار السن إلى عمليات النصب والاحتيال من جهة او التأثير على التفكير من خلال التعرض لمحتويات ضمن ما يعرف بالـ Echo Chambers الصدى الرقمي(1) والتي قد تجعلهم يتبنون فكر معين أو يجربون تمرين او دواء معين بسبب خوفهم من المرض او إرضاء شعورهم بالمعرفة، الأمر الذي يجعلهم اكثر عرضة لبعض المشاكل الرقمية.
“ما كنت بيوم اتدمر من أسئلة والدي صاحب الـ 65 عام المتكرره عن نفس الموضوع ومع هيك وقع ضحية لعملية احتيال إلكتروني.” قال هيثم، مضيفا أن الأمر لا يتعلق فقط بتفعيل الحماية على التطبيقات المختلفة، بل أن هناك مشاكل في إدراك عمليات التصيد التي قد يتعرض لها أي شخص بما في ذلك كبار السن، فقد تعرض والدي لعملية fishing التصيّد(2) من قبل شخص ادعى أنه من البنك وزوده بكافة المعلومات الخاصة به الأمر الذي دفع والدي لتصديقه وإرسل رمز التحقق له OTP، وانتهى بعملية احتيال كلفته 12 ألف دينار كان قد جمعها خلال سنوات طويلة من العمل.
تابع هيثم أن هناك خلل يجب تداركه أولا من قبل البنوك وذلك بتحديد حد أعلى للتحويلات البنكية أو إيجاد آليات تواصل مباشرة قبل إجراء عمليات التحويل عالية القيمة وخاصة عندما يكون صاحب الحساب من كبار السن، ثانياً إيجاد مصوّغ قانوني لتطبيق عقوبة رادعة في حال حدوث مثل هذا الفعل، إذ أن وحدة الجرائم الإلكترونية لم تتمكن لغاية الآن من إعادة المبلغ كون التحويل تم بموافقة من قبل والدي.
إن هذا النوع من الجرائم يندرج تحت مسمى العنف الرقمي، الذي قد تتعرض له كافة فئات المجتمع بما فيها كبار السن، إلا أن هذه الفئة تعتبر هدف لمثل هذه العمليات ويعود ذلك لعدة أسباب منها الشعور بأن هذه الفئة لديها الملاءة المالية وضعف في المعلومة الرقمية، فما هو العنف الرقمي وما هي الأشكال التي يتعرض لها كبار السن بشكل أكثر ؟
“لا يوجد مصطلح قانوني اسمه العنف الرقمي ولكن هناك جرائم تندرج تحت هذا المفهوم معتمدة على إستخدام الوسائل التكنولوجية في ارتكاب أفعال يعاقب عليها القانون مثل الإهانة والذم والقدح وخطاب الكراهية والجرائم المتعلقة بالابتزاز والاحتيال الإلكتروني بالإضافة لصور اخرى مثل الاعتداء على الحياة الخاصة.” قال المحامي صخر الخصاونة، وأكمل أن هناك حالات في القانون يتم تشديد العقوبات في حال ارتكاب الجرائم في حقها مثل النساء والأطفال وذوي الإعاقة إلا أن كبار السن ليسوا من ضمن هذه الحالات وفق القانون الاردني.
تابع بأن أبرز القضايا التي يتعرض لها كبار السن هي عندما يتم استغلال عدم معرفتهم بكيفية سحب رواتبهم من الصراف الآلي فيتم إجراء سحوبات بمبالغ أكثر من المطلوبة بالإضافة لقضايا الإحتيال التي تطلب معلومات شخصية مثل الاسم الكامل او رقم الحساب والكود الخاص برمز التحقق بالإضافة لوجود قضايا تعتبر قليلة نوعا ما تتعلق بالابتزاز من خلال الحصول على صور والتهديد من خلالها.
وأضاف أنه بالعادة لا يقوم كبار السن بمتابعة القضايا الخاصة بالجرائم الإلكترونية لعدة أسباب منها ان هذا النوع من القضايا يحتاج إلى متابعة ووجود شخصي من قبل المشتكي وعدد جلساتها طويلة مما قد يشكل تعباً وارهاقاً على كبير السن، بالاضافة لموضوع الخوف من الوصمة الإجتماعية، التي قد ترافق بعض القضايا، واكد على ضرورة احتواء كبير السن وعدم توجيه اللوم له لوقوعه ضحية لعمليات العنف الرقمي.
وفق تصريح خاص من وحدة الجرائم الإلكترونية في مديرية الأمن العام فإن الاحتيال المالي من خلال الهندسة الإجتماعية يأتي في مقدمة المخاطر التي يعتمدها المحتال غالباً، بدلاً من الاختراق التقني المباشر، ومن أبرز صور القضايا التي تعاملت معها وحدة مكافحة الجرائم الإلكترونية والمتعلقة بكبار السن تحديداً ما يلي:

واشار التصريح إلى أنه في السابق كان يوجد تردد أو حرج لدى بعض كبار السن في الإبلاغ عند تعرضهم للجرائم الإلكترونية خاصة في الحالات التي يشعر فيها الضحية بالخجل من وقوعه ضحية للاحتيال أو يخشى لوم الأسرة أو المحيطين به، بالإضافة إلى محدودية الوعي بطبيعة هذه الجرائم وآليات الإبلاغ عنها، إلا أن برامج التوعية المستمرة وانتشار الرسائل الإرشادية، وزيادة معرفة المواطنين بطرق الإبلاغ أسهمت في تعزيز ثقافة التبليغ والحد من التردد في تقديم الشكاوى، كما أصبح كبار السن وأفراد أسرهم أكثر وعيا بأهمية الإبلاغ المبكر، خاصة في قضايا الاحتيال المالي، لما لذلك من دور في سرعة اتخاذ الإجراءات اللازمة وتتبع الجناة، ومحاولة الحد من الخسائر.
فيما قالت الدكتورة نهلة المومني من المركز الوطني لحقوق الانسان أن هناك حقوق وخدمات رقمية مقدمة لكبير السن تندرج ضمن منظومة الحقوق الرقمية لكبار السن بإعتبارهم من ضمن الفئات الاكثر حاجة للرعاية، واضافت ان هناك صعوبة احيانا في التعامل الصحيح مع هذه الادوات التكنولوجية من قبلهم “في الوقت الذي نفتقد فيه لأليات إبلاغ سريعة وسرية وآمنة ومعرفة لدى كبار السن” الامر الذي يجعلهم عرضة للتعرض للعنف الرقمي، ومن ناحية اخرى فإن المركز يتبع نهج تشاركي لرفع الوعي بالعنف الرقمي على مستوى الاسر وكبار السن، كون الاسر بحاجة ايضا لرفع الوعي بهذا الجانب.
بالرغم من وجود مخاطر لاستخدام التكنولوجيا بشكل عام، ومن قبل كبار السن بشكل خاص، إلا أن لها فوائد كبيرة، فهي وجدة بالأصل من أجل تسهيل الحياة وإيجاد بدائل أكثر فعالية وتوفير من الطرق التقليدية في الحصول على الخدمة، فعلى سبيل المثال إن وجود العيادات الرقمية أو إصدار الوثائق إلكترونيا ستوفر الوقت والجهد والمال في حال تمكنت من تقديم خدمة متكاملة.
كما أن هناك العديد من كبار السن انخرطوا فعلياً بإستخدام أدوات رقمية لتلبية حاجات اساسية مثل إجراء مكالمات فيديو مع أقاربهم خارج أو داخل البلد بالإضافة لاستخدام وسائل التواصل الإجتماعي للترويج لأعمالهم او نقل خبراتهم والتراث لكافة فئات المجتمع، ويمكن لقصة السيدة ميسر الحياري أن تكون احد الشواهد على هذه التجربة.
(فيديو ميسر الحياري)
ام عمر سيدة سبعينية تعيش وحدها في منزلها بعد وفاة زوجها الذي قضت معه عمرها بالغربة ولديها ولدين مغتربين وثلاثة بنات يقطنون بالقرب منها في منطقة البيادر تقول ان أدوات الإتصال بالفيديو قربت المسافة بينها وبين أولادها، فهي لا تشعر بنفس القدر من الغربة التي كانت تشعر بها عندما كانت مغتربة مع زوجها لـ ٤٠ عاماً مضت، وأضافت ان الشوق لرؤية ولمس واحفادها لا يفارقها، إلا أنها مدركة تماما لنعمه الإتصال بالفيديو التي سهلت الغربة عليها قليلا قائلة”لو كانت هاي التقنية موجودة وقت أمي كان مرت عليها سنين غربتي أسهل بكثير.”
قالت الدكتورة دعاء العدوان الأكاديمية والباحثة في مجال الإرشاد النفسي والتربوي ان هناك نوعين من كبار السن الأول قادر على مواكبة التكنولوجيا بسبب العمل أو دخول التكنولوجيا لحياته مبكرا، والآخر يجد مشاكل في التعامل معها، وعلى مقدمي الرعاية مساعدة هذه الفئة على تجاوز المخاوف التي قد يتعرضون لها جراء تجربة ما هو جديد، ولكن يجب الانتباه لكيفية التعامل مع كبير السن في هذه المرحلة وطبيعة التغذية الراجعة التي تقدم لهم، إذ قد يتعرض كبير السن لحالة من الاكتئاب واليأس، وذلك ما أشار إليه “اريكسون” بمرحلة “التكامل مقابل اليأس،” أي إما أن يرى كبير السن أنه قدم الكثير وأنجز الكثير وان ما يقدمه له أولاده هو ليس إلا انعكاس المرآة لما قدمه سابقًا في حياته، أو أن يرى أن دوره انتهى في هذه الحياة وأنه أصبح عالة على اولاده أو مقدمي الرعاية له.
وأضافت أن الادوات الرقمية في النهاية تعود بالأثر على مستخدميها وفق طريقة الاستخدام، فالاستخدام المفرط لها والاعتماد عليها بشكل كلي قد يؤدي بكبير السن وغيره ايضًا، للوصول لمرحلة من العزلة الإجتماعية، خصوصًا إذا ما شعر بأن لا أحد يهتم لرأيه وخبراته، وإما أن تفتح له ابواب للتسلية المعرفة وحتى المعاونة في أمور الصحة مثل استخدام الساعة الرقمية التي تعطي مؤشرات صحية او استخدام تطبيقات شرب الماء وغيرها من التطبيقات الصحية.
كما أن لها فوائد اخرى تبقي كبير السن يشعر بالإنتماء كبقائه على اتصال مع أقرانه او أفراد عائلته من خلال مواقع التواصل الإجتماعية (غرف الدردشات ومكالمات الفيديو) وفي الوقت نفسه فإن التواصل مع أدوات الذكاء الإصطناعي للدردشة وقضاء الوقت لا يعطي نفس الشعور البشري، وقالت: “رح يسمع من الـ chat gpt ويظل يقول ياريت ابني اللي حكالي هذا الحكي.”
إن كبار السن هم فئة عزيزة ومقدرة في المجتمع، وعلينا أن نوليها كل أشكال الاهتمام والرعاية وخاصة الرعاية الرقمية ليتمكنوا من الحصول على الخدمات الرقمية التي وجدت لتسهل الحياة بنفس القدر الذي تستطيع أي فئة عمرية أخرى الحصول عليها، و باستقلالية وحرية تامة.





