الاستقلالية الرقمية للمسنين.. حقوق وتحديات
تصوير دانا هاكوز / عمان
“والله الواحد حاسس إنه مربط خايف يكبس أي كبسة يعمل إشي غلط”، بهذه العبارات كان والدي سمير صاحب الـ74 عامًا يصف شعوره وهو جالس على كنبة غرفة الجلوس وبيده هاتفه الذكي يقلبه في حيرة محاولاً تحويل مبلغ مالي ثمنًا لقطعة طلبها عبر متجر إلكتروني من خلال تعبئة معلومات بطاقته فإصطدم بالكثير من الخيارات والخطوات التي كانت أشبه بأحجية يراهن من خلالها على مقدرته على إكمال عملية الدفع دون الوقوع في خطأ قد يكلفه ثمناً مضاعفاً لما اشتراه بالإضافة لوجود مخاوف لديه من سرقة معلومات بطاقته في حال كان الموقع غير موثوق، لذلك يفضل انتظار قدوم أحدنا للمساعدة في إتمام العملية.
والدي الذي يسكن وحده في عمان بمنطقة مرج الحمام ونزوره بشكل يومي، ليس الزبون الوحيد على أبواب الحيرة اليومية التي باتت تلف استخدام التكنولوجيا التي تسيّر الكثير من الأمور الحياتية، فالدفع الإلكتروني وحجز المواعيد لدى الطبيب وبرمجة “الرسيفر” أو حتى تشغيل مكنسة روبوت من خلال تطبيقها، كل هذه المهام التي قد تبدو بسيطة للكثير من الناس، لا بل أنها وجدت لتسهيل الحياة، إلا أنها تشكل عائقًا رقميًا أمام من ليس لديهم المعرفة الكافية بإستخدام التكنولوجيا، على الرغم من أن والدي من أوائل الأشخاص الذين شهدوا دخول التكنولوجيا واستخدموا الحاسوب وحصل على دورات متخصصة للعمل عليه منذ عام 1994 أثناء عمله في إحدى الوزارات.
إن التطور التكنولوجي جاء وهو يحمل في جعبته الكثير من الإيجابيات التي لا يمكن التغاضي عنها، والاستمرار في هذا التطور بات أمرًا حتميًا، فالتحول الرقمي لم يعد مجرد فكرة أو مشروع ريادي تتبناه جهة معينة، بل أنه دخل في كل تفاصيل الحياة بما في ذلك أعمال المؤسسات والحكومات، وما هي إلا مسألة وقت حتى تتحول كافة المعاملات الخاصة بنا إلى معاملات إلكترونية رقمية الأمر الذي سيختصر علينا الكثير من الوقت والجهد والتكاليف.
فقد بدأنا بالفعل نستخدم الهوية الرقمية، والرخصة الإلكترونية، وتطبيق سند الذي أصبح نافذتنا الرقمية على الخدمات الحكومية، فقد تجاوز عدد مستخدمي الهوية الرقمية المفعلة من خلال تطبيق سند 2.6 مليون شخص حتى نهاية الربع الأول من عام 2026، كما أننا نسير قدمًا نحو التحول الرقمي، حيث حقق مؤشر نضوج الخدمات الحكومية الإلكترونية والنقالة عام 2025 ارتفاعاً وصل إلى 71% أي بزيادة مقدارها 8 نقاط مئوية خلال عام واحد، ومحققاً بذلك أعلى نتيجة له خلال الأعوام الأربعة الأخيرة.
مؤخرًا وعلى مستوى الحكومة الرقمية والخدمات، تقدم الأردن 16 مرتبة في مؤشر تقديم الخدمات العامة و10 مراتب في مؤشر الخدمات الحكومية الإلكترونية، و10 مراتب في مؤشر نضج التكنولوجيا الحكومية، و5 مراتب في مؤشر ممكنات التكنولوجيا الحكومية، وفق ما نشرته وكالة الأنباء الأردنية في 6/1/2026.
كما ارتفعت نسبة انتشار الإنترنت الثابت عريض النطاق، وهو أحد المؤشرات التي تعكس قدرة البنية التحتية على مواكبة تحقيق النُّضج الرقمي واستدامته.
هذا التطور وضع كبير السن كغيره في سباق مع مواكبة التكنولوجيا، إلا أن لكبار السن رأي في هذا الموضوع، حيث أشارت إحصائيات منشورة في موقع zipdo التعليمي في عام 2026 بعنوان احصائيات كبار السن والتكنولوجيا إلى أن 28% من كبار السن في أمريكا يرون الخوف كعائق أمام استخدامهم للتكنولوجيا، و 27% منهم يشيرون إلى صعوبة استخدام التقنية كسببٍ رئيسٍ لعدم اتصالهم بالإنترنت.
أما في الأردن، أظهر مسح استخدام تكنولوجيا المعلومات في داخل المنازل لعام 2023 أن نسبة 8.7% من كبار السن في الفئة العمرية (55-64) عامًا يستخدمون الحاسوب في حين بلغت هذه النسبة 3.7% ممن تجاوزت أعمارهم الـ 65 عامًا.
أما فيما يتعلق بامتلاك الهواتف الذكية من قبل الفئات العمرية المختلفة، فقد أشارت الأرقام الصادرة عن دائرة الاحصاءات العامة إلى أن نسبة كبيرة من كبار السن يمتلكون هواتف ذكية وصلت إلى 94.3% من العئة العمرية 60-64 عامًا، و80.2% من الذين بلغت أعمارهم الـ 65 عامًا فأكثر.
كما أن الاحصاءات تشير إلى أن هناك زيادة في نسبة مستخدمي الإنترنت بين الفئة العمرية الأكبر من 50 عامًا عبر الزمن، وأن هناك فروقات جندرية في نسب الاستخدام.
فهل يعاني كبار السن من المشاكل نفسها التقنية سابقة الذكر؟
“بخاف أعمل إشي غلط يحول لناس ثاني” هكذا قالت أم رامي السيدة السبعينية عند سؤالها عن سبب عدم شرائها حاجاتها من خلال التطبيقات الرقمية او بطرق الكترونية، واستخدام أدوات الدفع الرقمي، إذ أنها تفضل أن تزور الأسواق لشراء حاجاتها والدفع مباشرة، وإن كانت تعلم أن هناك طرق أسهل للحصول على مشترياتها وتستخدمها أحياناً عند وجود أحد أبنائها لمساعدتها في عملية الدفع.
أم رامي لم تكُن يومًا شخصًا يعتمد على غيره لإنجاز المهام بل إنها اعتادت على تقديم المساعدة للغير، حيث كانت تعمل كمدرسة للغة العربية لغير الناطقين بها في أمريكا قبل قرابة الـ ٤٠ عامًا، فوجدت نفسها فجأة أسيرة لما يقدمه لها أبناؤها من مساعدة، الذين قد يكونوا منشغلين بأعمالهم وحياتهم.
وبالحديث عن الأرقام، نشرت دائرة الاحصاءات العامة الأرقام التالية التي تشير إلى طرق الدفع التي يستخدمها الاشخاص الذين بلغت أعمارهم فوق الـ 50 عامًا.
أما نانسي السيدة الستينية التي كانت تعمل في مجال التصميم الداخلي وتسكن وحدها في منطقة مرج الحمام في عمارة سكنية فيها ثلاث من أخواتها المقاربات لها بالسن تقول أنها تجد صعوبة في الخطوات الطويلة والمتكررة، وحاجتها لاستخدام أكثر من تطبيق لإتمام عملية توصيل الأدوية من المستشفى الذي تتعالج فيه، حيث يتوجب عليها إعداد الطلب بتفاصيل كثيرة في تطبيق ثم الدفع من خلال تطبيق كليك وبتفاصيل لا تقل تعقيداً عن الأول، وتقول: “المشكلة انه كل مرة بده الواحد يرجع يعبي كل معلوماته من جديد وفي حقول مطلوبة ما بكون مفهوم شو المطلوب منها بالضبط مثل الرقم المرجعي الي بيطلع بالآخر الرقم الوطني”.
وتضيف نانسي أنها في كل مرة تحاول تجربة خدمة إلكترونية جديدة تفضل وجود أحد من أبناء أخواتها لمساعدتها، بالرغم من أنها تقوم بعمل الخطوات وتعبئة النماذج بنفسها حتى تتمكن من إجراء العمليات ودون مساعدة لاحقاً؛ إلا أن وجود شخص للمساعدة يسهل عليها فهم المطلوب من الحقول المختلفة.
يبين الشكل التالي أن من هم أكبر من 50 عامًا يستخدمون الإنترنت عادةً للحصول على خدمات متنوعة وفق الترتيب والنسب التالية:
محمد ذو 64 عامًأ وهو مهندس معماري متقاعد من إحدى المؤسسات -يعيش مع زوجته وابنته العشرينية في منطقة أبو السوس إلا أن إبنته تقضي معظم وقتها بين الجامعة والعمل- يقول أنه من مواكبي التطورات التقنية، إذ أن هاتفه لا يخلو من تطبيقات مثل حكيم وسند وكليك وتطبيق البنك وهو متابع لمواقع التواصل الاجتماعي مثل فيس بوك وانستجرام واكس وماسنجر وغيرها من تطبيقات، بالإضافة لاستخدامه أدوات الذكاء الاصطناعي مثل الـ chatGPY، إلا أنه يجد صعوبة في مجاراة التغيرات الكثيرة التي تحدث على واجهات التطبيقات المختلفة ويقول: “ما بلحق الواحد يتعود على مكانها ولا هي متغيرة، وبصير بده يدور عليها من جديد، فيس بوك مثلا كل يومين بتلاقيه مغير شغلة.” فيعود في كثير من الأوقات لسؤال ابنته عبر الهاتف ويضطر أحيانًا إلى انتظار عودتها لتشرح له كيفية إدارة الأمور.
هذه المشكلات التي تبدو للبعض بسيطة إلا أنها تشكل عائقًا أمام الاستقلالية الرقمية لكبار السن الأمر الذي يجعله بحاجة دائمة لوجود شخص لدعمه ومساعدته في تسيير أموره، في حين أنه قد يحتاج لنوع من الخصوصية، التي كادت أن تختفي مع ازدياد الاعتماد على تقديم الخدمات بطرق رقمية. فما هو الحل؟ وكيف يمكن إعادة الاستقلالية والخصوصية لكبير السن القادر؟
قالت السيدة خديجة علوين / مديرة الاتصال والإعلام في المجلس الوطني لشؤون الأسرة أن المجلس أولى فئة كبار السن أولوية كبرى منذ بداية تأسيسه في عام 2001 إذ أنه قام بإعداد الاستراتيجية الوطنية الأولى لكبار السن في عام 2008 ولها خطتها التنفيذية، ثم مرت بعدة تحديثات آخرها في عام 2024 والتي شملت خطتها التنفيذية الأعوام من 2025 لغاية 2030.
فيما يخص كبار السن والرقمنة فقد قام المجلس الوطني لشؤون الأسرة بالتعاون مع البنك المركزي بعقد ورشات توعوية خاصة بالأمن الرقمي مستهدفة كبار السن، حيث يتم استهداف هذه الفئة بحسب الأقاليم، ففي عمان يتم التنسيق مع أمانة عمان لإستهداف رواد النادي النهاري لكبار السن أما في الشمال فيوجد جميعة استضافة المسنين، وفي الجنوب فيتم التنسيق من خلال مؤسسة نهر الأردن.
اما بخصوص التحديات فتقول السيدة خديجة أن الحالة الصحية لكبير السن وعدم تفرغ مقدمي الرعاية لكبار السن ودخول هذه التكنولوجيا المتسارعة عليهم قد تحول دون توجههم لمثل هذه الورشات، إلا أن المجلس يقوم بإستخدام كافة الوسائل المتاحة لنشر مواد توعوية عبر المنصات المختلفة بهدف الوصول لأكبر شريحة من هذه الفئة.
قال السيد أسامة الزعبي مساعد مدير تنفيذي بالوكالة في وحدة الاستجابة للحوادث السيبرانية للقطاع المالي والمصرفي في البنك المركزي، أن البنك بالتعاون مع المجلس الأعلى لشؤون الأسرة وعدد من الجمعيات عقد ورشات عمل توعوية لكبار السن حول التثقيف المالي والرقمي استهدف أكثر من 100 شخص في مختلف المحافظات بمناسبة اليوم العالمي لكبار السن في عام 2025، بالإضافة لعمل ورشات اخرى تشمل كافة الفئات من أطفال وشباب وكبار بالسن، كما أنهم يستخدمون السوشيال ميديا لنشر الوعي بالأساليب الاحتيالية التي قد يتعرض لها كبار السن مثل حملة #غلطة_الشاطر ونشر اعلانات توعوية على شاشات الطرق والمعبر والترخيص ومؤسسة المتقاعدين العسكريين وغيرها من الجهود الإعلامية التوعوية ويتم الاستهداف بناءً على دراسة سابقة سواء من خلال المنصة المستهدفة وطريقة الاستهداف، كما أنهم يقومون بتقديم المحتوى التوعوي بالتعاون مع المجلس الوطني لشؤون الاسره، وهم عادةً يقدمون توزيعات مخصصة لكبار السن لتشجيعهم على الاشتراك بمثل هذا النوع من النشاطات.
وأضاف أن الجهود التوعوية وحدها لا تكفي بل أن الحذر يجب أن يكون سيد الموقف في كافة التعاملات المالية إذ أن عمليات الاحتيال الرقمي تتم من خلال الهندسة الاجتماعية والتي قد تربك المستخدم وتجعله عرضة للإحتيال، كما أنه لا يمكن وضع أي قيود على تعاملات الأفراد الشخصية إذ يعد ذلك إنتهاكا للخصوصية.
من جانبها قالت الآنسة شروق هلال الناطق الإعلامي باسم وزارة الاقتصاد الرقمي والريادة أنه فيما يتعلق بكبار السن، فإن الوزارة تؤمن بأن الشمول الرقمي يشكل أحد الركائز الأساسية للتحول الرقمي، ويقوم على ضمان وصول جميع أفراد المجتمع إلى الخدمات الرقمية والاستفادة منها بسهولة ودون تمييز، بما في ذلك كبار السن. وانطلاقًا من ذلك، تعمل الوزارة على تطوير خدمات حكومية وتعزيز الوعي والمهارات الرقمية، بما يساعد كبار السن على مواكبة التحول الرقمي، بالإضافة لتوفر الدعم والمساندة من خلال مراكز الخدمات الحكومية المنتشرة في مختلف محافظات المملكة، حيث يقدم الموظفون المساعدة المباشرة لكبار السن وجميع المواطنين في تفعيل الهوية الرقمية على تطبيق سند، وشرح طرق استخدامه، وإنجاز معاملاتهم الحكومية الإلكترونية، إضافة إلى تقديم الإرشاد اللازم للاستفادة من الخدمات الرقمية.
كما قامت الوزارة بإفراز عدد من البنود الخاصة بتقديم التوعية والرعاية الرقمية لكبار السن خلال الاستراتيجية الوطنية للتحول الرقمي والخطة التنفيذية 2026-2028.
لا يقتصر دور تقديم الرعاية الرقمية على الجهات الحكومية فقط، بل أن للأسرة والمحيط دور كبير ومهم في تقديم هذه الرعاية بإعتبارهم غالبًا النواة الأولى ودائرة الإتصال الأقرب لكبار السن. فهل هي قادرة على القيام بهذا الدور بالشكل السليم ؟
رائد مهيار أخصائي الأمن الرقمي في الجمعية الأردنية للمصادر المفتوحة JOSA وصاحب مركز الثقافة الرقمية قال أن هناك مشكلة كانت تواجهه أثناء عقد جلسات التوعية لا يمكن للأنظمة أو البرامج حلها وهي ثقافة المجتمع بخصوص التكنولوجيا، فقد تُقدم افضل البرامج النصائج للحفاظ على الأمن الرقمي للأفراد، ولكن بالنهاية يعود الأمر لثقافة الفرد والمجتمع المحيط به، إذ كانوا دائما يسمعون عبارة “انا ما عندي اشي اخبيه، ياخدوا كل بياناتي” إلا أن هذا الموضوع يبقى نوعًا من المزاح إلى أن تقع المشكلة الفعليه.
وأضاف مهيار أن أول فكرة تعرض عادة خلال جلسات التدريب التي يعقدها بخصوص تعرض كبار السن لتهديدات رقمية هي أين الأبناء عن مساعدة اهاليهم لتخطي هذه التحديات وتجنب هذه المشكلات؟ “برأيي الثقافة الرقمية والوعي بهاي التهديدات هي مسؤولية فردية.” قال رائد، إذ أن لهؤلاء الأبناء تجاربهم الشخصية ومسؤولياتهم وتحدياتهم، كونهم يخوضون أيضاً رحلة التعلم لهذه الثقافة الرقمية الحديثة على الجميع، ولا يُغفل مهيار أن هناك مسؤولية على مقدم الرعاية بتوعية كبار السن من هذه الناحية، إلا أنه لا يمكن لهم التحكم بكافة المتغيرات، وعليه فهي مسؤولية فردية على كل شخص تثقيف نفسه رقميًا بنفسه، في الوقت الذي لاحظ عزوف كبار السن عن الحصول على هذا النوع من التدريب لأسباب مختلفة منها أسباب صحية أو عدم وجود الوقت وانشغالهم بأمور حياتهم وحياة أبنائهم وأحفادهم .
بحسب خبرته في هذا المجال يرى رائد أن المشاكل الرقمية عادةً تنقسم إلى نوعين، النوع الأول يتعلق بالهاتف نفسه وبرامج الأمان أو تفعيل أدوات الحماية على التطبيقات المختلفة، والثاني في كيفية التعامل مع ما هو على الهاتف من رسائل أو محتوى قد يعرض كافة الفئات بما فيها كبار السن إلى عمليات النصب والاحتيال من جهة او التأثير على التفكير من خلال التعرض لمحتويات ضمن ما يعرف بالـ Echo Chambers الصدى الرقمي(1) والتي قد تجعلهم يتبنون فكر معين أو يجربون تمرين أو دواء معين بسبب خوفهم من المرض أو إرضاء شعورهم بالمعرفة، الأمر الذي يجعلهم أكثر عرضة لبعض المشاكل الرقمية.
الحقيقة أن الموضوع قد لا يقف عند حدود هذا النوع من التأثير لا بل أنه قد يتمتد ليصل إلى جيوب مستخدمي التكنولوجيا من كبار السن.
“ما كنت بيوم أتذمر من أسئلة والدي صاحب الـ 65 عامًا المتكرره عن الموضوع نفسه ومع هيك وقع ضحية لعملية احتيال إلكتروني.” قال هيثم، إن الأمر لا يتعلق فقط بتفعيل الحماية على التطبيقات المختلفة، بل أن هناك مشاكل في إدراك عمليات التصيد التي قد يتعرض لها أي شخص بما في ذلك كبار السن، فقد تعرض والدي لعملية fishing التصيّد(2) من قبل شخص ادعى أنه من البنك، وزوده بكافة المعلومات الخاصة به الأمر الذي دفع والدي لتصديقه وإرسل رمز التحقق له OTP، وانتهى بعملية احتيال كلفته 12 ألف دينار كان قد جمعها خلال سنوات طويلة من العمل.
تابع هيثم أن هناك خلل يجب تداركه أولا من قبل البنوك وذلك بتحديد حد أعلى للتحويلات البنكية أو إيجاد آليات تواصل مباشرة قبل إجراء عمليات التحويل عالية القيمة وبخاصةٍ عندما يكون صاحب الحساب من كبار السن، ثانياً إيجاد مصوّغ قانوني لتطبيق عقوبة رادعة في حال حدوث مثل هذا الفعل، إذ أن وحدة الجرائم الإلكترونية لم تتمكن لغاية الآن من إعادة المبلغ كون التحويل تم بموافقة من قبل والدي.
إن هذا النوع من الجرائم يندرج تحت مسمى “العنف الرقمي”(3)، الذي قد تتعرض له كافة فئات المجتمع بما فيها كبار السن، إلا أن هذه الفئة تعتبر هدف لمثل هذه العمليات ويعود ذلك لعدة أسباب منها الشعور بأن هذه الفئة لديها الملاءة المالية وضعف في المعلومة الرقمية، فما هو العنف الرقمي وما هي الأشكال التي يتعرض لها كبار السن بشكل أكثر ؟
“لا يوجد مصطلح قانوني اسمه العنف الرقمي، ولكن هناك جرائم تندرج تحت هذا المفهوم معتمدة على إستخدام الوسائل التكنولوجية في ارتكاب أفعال يعاقب عليها القانون، مثل الإهانة والذم والقدح وخطاب الكراهية والجرائم المتعلقة بالابتزاز والاحتيال الإلكتروني بالإضافة لصور أخرى مثل الاعتداء على الحياة الخاصة.” قال المحامي صخر الخصاونة، إن هناك افعال في القانون تؤدي إلى تشديد العقوبات، على سبيل المثال في حال ارتكاب الجرائم في حق النساء والأطفال وذوي الإعاقة إلا أن كبار السن ليسوا من ضمن هذه الحالات وفق القانون الأردني.
تابع الخصاونة بأن أبرز القضايا التي يتعرض لها كبار السن هي عندما يتم استغلال عدم معرفتهم بكيفية سحب رواتبهم من الصراف الآلي فيتم إجراء سحوبات بمبالغ أكثر من المطلوبة، بالإضافة لقضايا الإحتيال التي تطلب معلومات شخصية مثل الاسم الكامل او رقم الحساب والكود الخاص برمز التحقق بالإضافة لوجود قضايا تعتبر قليلة نوعا ما تتعلق بالابتزاز من خلال الحصول على صور والتهديد من خلالها.
وأضاف أنه بالعادة لا يقوم كبار السن بمتابعة القضايا الخاصة بالجرائم الإلكترونية لعدة أسباب منها أن هذا النوع من القضايا يحتاج إلى متابعة ووجود شخصي من قبل المشتكي وعدد جلساتها طويلة مما قد يشكل تعباً وارهاقاً على كبير السن، بالإضافة لموضوع الخوف من الوصمة الاجتماعية، التي قد ترافق بعض القضايا، وأكد على ضرورة احتواء كبير السن وعدم توجيه اللوم له لوقوعه ضحية لعمليات العنف الرقمي.
وفق تصريح حصري لمعهد الإعلام الاردني من وحدة الجرائم الإلكترونية في مديرية الأمن العام فإن الاحتيال المالي من خلال الهندسة الإجتماعية(4) يأتي في مقدمة المخاطر التي يعتمدها المحتال غالباً، بدلاً من الاختراق التقني المباشر، ومن أبرز صور القضايا التي تعاملت معها وحدة مكافحة الجرائم الإلكترونية والمتعلقة بكبار السن تحديداً ما يلي:

واشار التصريح إلى أنه في السابق كان يوجد تردد أو حرج لدى بعض كبار السن في الإبلاغ عند تعرضهم للجرائم الإلكترونية خاصة في الحالات التي يشعر فيها الضحية بالخجل من وقوعه ضحية للاحتيال أو يخشى لوم الأسرة أو المحيطين به، بالإضافة إلى محدودية الوعي بطبيعة هذه الجرائم وآليات الإبلاغ عنها، إلا أن برامج التوعية المستمرة وانتشار الرسائل الإرشادية، وزيادة معرفة المواطنين بطرق الإبلاغ أسهمت في تعزيز ثقافة التبليغ والحد من التردد في تقديم الشكاوى، كما أصبح كبار السن وأفراد أسرهم أكثر وعيا بأهمية الإبلاغ المبكر، خاصة في قضايا الاحتيال المالي، لما لذلك من دور في سرعة اتخاذ الإجراءات اللازمة وتتبع الجناة، ومحاولة الحد من الخسائر.
فيما قالت الدكتورة نهلة المومني من المركز الوطني لحقوق الانسان أن هناك حقوق وخدمات رقمية مقدمة لكبير السن تندرج ضمن منظومة الحقوق الرقمية لكبار السن بإعتبارهم من ضمن الفئات الاكثر حاجة للرعاية، واضافت ان هناك صعوبة احيانا في التعامل الصحيح مع هذه الادوات التكنولوجية من قبلهم “في الوقت الذي نفتقد فيه لأليات إبلاغ سريعة وسرية وآمنة ومعرفة لدى كبار السن” الامر الذي يجعلهم عرضة للتعرض للعنف الرقمي، ومن ناحية اخرى فإن المركز يتبع نهج تشاركي لرفع الوعي بالعنف الرقمي على مستوى الأسر وكبار السن، كون الأسر بحاجة أيضا لرفع الوعي بهذا الجانب.
بالرغم من وجود مخاطر لاستخدام التكنولوجيا بشكل عام، ومن قبل كبار السن بشكل خاص، إلا أن لها فوائد كبيرة، فهي وجدت بالأصل من أجل تسهيل الحياة وإيجاد بدائل أكثر فعالية وتوفير من الطرق التقليدية في الحصول على الخدمة، فعلى سبيل المثال إن وجود العيادات الرقمية أو إصدار الوثائق إلكترونيا ستوفر الوقت والجهد والمال في حال تمكنت من تقديم خدمة متكاملة.
كما أن هناك العديد من كبار السن انخرطوا فعلياً بإستخدام أدوات رقمية لتلبية حاجات أساسية مثل إجراء مكالمات فيديو مع أقاربهم خارج أو داخل البلد بالإضافة لاستخدام او استخدام التطبيقات المختلفة لإنجاز المعاملات الحكومية وظهر الرسم التالي أنهم من أكثر مستخدمي هذه التطبيقات نسبة لغيرهم من الفئات العمرية المختلفة.
أما أم عمر السيدة السبعينية تعيش وحدها في منزلها بعد وفاة زوجها الذي قضت معه عمرها بالغربة، ولديها ولدان مغتربان وثلاث بنات يقطنَّ بالقرب منها في منطقة البيادر تقول إن أدوات الإتصال بالفيديو قربت المسافة بينها وبين أولادها، فهي لا تشعر القدر نفسه من الغربة التي كانت تشعر بها عندما كانت مغتربة مع زوجها لـ ٤٠ عاماً مضت، وأضافت ان الشوق لرؤية ولمس واحفادها لا يفارقها، إلا أنها مدركة تماما لنعمه الإتصال بالفيديو التي سهلت الغربة عليها قليلا قائلة”لو كانت هاي التقنية موجودة وقت أمي كان مرت عليها سنين غربتي عليها أسهل بكثير.”
الدكتورة دعاء العدوان الأكاديمية والباحثة في مجال الإرشاد النفسي والتربوي قالت ان هناك نوعين من كبار السن الأول قادر على مواكبة التكنولوجيا بسبب العمل أو دخول التكنولوجيا لحياته مبكرًا، والآخر يجد مشاكل في التعامل معها، وعلى مقدمي الرعاية مساعدة هذه الفئة على تجاوز مخاوفهم والانخراط بهذا النظام الجديد عليهم، ولكن يجب الانتباه لكيفية التعامل مع كبار السن في هذه المرحلة وطبيعة التغذية الراجعة التي تقدم لهم، إذ قد يتعرض كبير السن لحالة من الاكتئاب واليأس، وذلك ما أشار إليه العالم “إيرك أريكسون” -ضمن المرحلة الثامنة والاخيرة من مراحل التطور النفسي والاجتماعي للإنسان- بمرحلة “التكامل مقابل اليأس،” أي إما أن يرى كبير السن أنه قدم الكثير وأنجز الكثير وأن ما يقدمه له أولاده من رعاية هو ليس إلا انعكاس المرآة لما قدمه سابقًا في حياته، أو أن يرى أن دوره انتهى في هذه الحياة وأن يرى نفسه عالةً على أولاده أو مقدمي الرعاية له.
وأضافت الدكتورة العدوان أن الأدوات الرقمية في النهاية تعود بالأثر على مستخدميها وفق طريقة الاستخدام، فالاستخدام المفرط لها والاعتماد عليها بشكل كلي قد يؤدي بكبير السن وغيره أيضًا للوصول لمرحلة من العزلة الاجتماعية، خصوصًا إذا ما شعر بأن لا أحد يهتم لرأيه وخبراته، وإما أن تفتح له ابواب للتسلية والمعرفة وحتى المعاونة في أمور الصحة مثل استخدام الساعة الرقمية التي تعطي مؤشرات صحية او استخدام تطبيقات شرب الماء وغيرها من التطبيقات الصحية.
وبيَّنت الدكتورة دعاء أن للتكنولوجيا فوائد اخرى كأن تبقي كبير السن يشعر بالانتماء كبقائه على اتصال مع أقرانه او أفراد عائلته من خلال مواقع التواصل الاجتماعي (غرف الدردشات ومكالمات الفيديو)، وفي الوقت نفسه فإن التواصل مع أدوات الذكاء الإصطناعي للدردشة وقضاء الوقت لا يعطي نفس الشعور البشري، وقالت: “رح يسمع من الـ chatGPT ويظل يقول يا ريت ابني اللي حكالي هذا الحكي.”.
إن كبار السن هم فئة عزيزة ومقدرة في المجتمع، وعلينا أن نوليها كل أشكال الاهتمام والرعاية بما في ذلك الرعاية الرقمية، ليتمكنوا من الحصول على الخدمات الرقمية التي وجدت لتسهل الحياة، بالقدر نفسه الذي تستطيع أي فئة عمرية أخرى الحصول عليها باستقلالية وحرية تامة، ويمكن ذلك من خلال التدريب والتمكين لهذه الفئة ولمقدمي الرعاية لها على كيفية استخدام هذه التكنولوجيا.





